تواجه إسرائيل تحدياً متزايداً في الساحة الأمريكية مع تصاعد النبرة الناقدة لسياساتها، حيث كشفت مصادر صحفية عن استراتيجية إسرائيلية مكثفة تعتمد على ضخ عشرات الملايين من الدولارات لتغيير القناعات العامة. وتأتي هذه التحركات في وقت حساس أظهرت فيه استطلاعات الرأي أن نحو 60% من الأمريكيين باتوا ينظرون بسلبية إلى إسرائيل نتيجة إدارتها للحروب في المنطقة.
وتعتمد الخطة الإسرائيلية الجديدة على تقنيات الذكاء الاصطناعي المتطورة للوصول إلى هواتف الأمريكيين مباشرة عبر رسائل نصية تحمل أسماءً وهمية مثل 'إيما' و'سارة'. هذه الرسائل التي تصدر عن مجموعات مثل 'أصدقاء من أجل السلام'، تهدف إلى طرح تساؤلات موجهة حول الأمن العالمي وعلاقة واشنطن بطهران، سعياً لتشكيل وعي جمعي يخدم المصالح الإسرائيلية.
وفي قلب هذه العمليات، يبرز اسم براد بارسكيل، المستشار السابق للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي أبرم عقداً مع الحكومة الإسرائيلية تتجاوز قيمته 45 مليون دولار. ويتضمن هذا التعاون استخدام خبرات بارسكيل في تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي لبث محتوى موجه يهدف إلى دحض الروايات المنتقدة لإسرائيل وتعزيز حضورها الإيجابي في الفضاء الرقمي.
ولم تقتصر الميزانيات على العقود التقنية فحسب، بل أعلن وزير الخارجية الإسرائيلي السابق جدعون ساعر عن تخصيص ميزانية ضخمة تتجاوز 700 مليون دولار لعام 2026. وتهدف هذه الأموال بشكل مباشر إلى 'تشكيل الوعي' وتحسين الصورة الذهنية للدولة العبرية على مستوى العالم، مع تركيز خاص على القوى المؤثرة في الولايات المتحدة.
وقد أثارت هذه التحركات ردود فعل سياسية داخل واشنطن، حيث اتهم نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس بعض المسؤولين الإسرائيليين بمحاولة التلاعب بالرأي العام. وأشار فانس إلى أن هذه الحملات تهدف إلى تقويض الجهود الدبلوماسية الأمريكية الرامية لإنهاء الصراعات الإقليمية، سعياً لإبقاء حالة الحرب مستمرة بما يخدم أجندات معينة.
من جانبه، دافع بارسكيل عن نشاطه مؤكداً أن هدفه هو مكافحة ما وصفه بـ 'المعلومات المضللة' التي تشكل تهديداً وجودياً لإسرائيل. ونفى بارسكيل في تصريحاته أي محاولة لتقويض المفاوضات الأمريكية، معتبراً أن عمله يتركز في إطار التسويق الاستراتيجي وتوضيح الحقائق للجمهور الأمريكي عبر المنصات المختلفة.
وتشير البيانات الفيدرالية إلى أن إسرائيل في طريقها لتصبح الدولة الأكثر إنفاقاً على جهود التأثير داخل الولايات المتحدة خلال العام الحالي. وقد تعاقدت تل أبيب مع ست شركات على الأقل، بالإضافة إلى تسجيل عشرات الوكلاء الجدد الذين يعمل معظمهم في مجالات التسويق الرقمي وإدارة المحتوى الإعلامي.
ورغم نفي الشبكة تلقي مقدمي برامجها أموالاً مقابل تبني مواقف محددة، إلا أن العقود تشير إلى إنفاق مئات الآلاف من الدولارات على إعلانات موجهة. ويرى مراقبون أن هذا التداخل بين العمل الاستشاري لصالح دولة أجنبية وإدارة منصات إعلامية محلية يثير تساؤلات أخلاقية وقانونية حول طبيعة التأثير الأجنبي في الإعلام الأمريكي.
وفي سياق متصل، استهدفت الحملات الإسرائيلية القاعدة المسيحية في الولايات المتحدة عبر خطط موجهة لرواد الكنائس الضخمة وطلاب الجامعات. وتهدف هذه الحملات، التي تقدر تكلفتها بملايين الدولارات، إلى ربط الرواية الإسرائيلية بالقيم الدينية مع محاولة تشويه صورة الطرف الفلسطيني وربطه حصراً بالتطرف.
كما لم تغفل الاستراتيجية الإسرائيلية التيار اليساري والمؤثرين على منصات التواصل الاجتماعي مثل إنستغرام. فقد تم رصد تعاقدات مع شركات تسويق تدير حسابات مشهورة تروج لإسرائيل كواحة للحريات في الشرق الأوسط، دون الإفصاح بشكل واضح عن التمويل الحكومي وراء هذه المنشورات 'المبهجة'.
ويسعى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو شخصياً لاستمالة المؤثرين، حيث عقد لقاءات متعددة معهم خلال زياراته لواشنطن. ويعتقد نتنياهو أن تراجع الدعم الأمريكي يعود بشكل أساسي إلى 'الصعود الهائل لوسائل التواصل الاجتماعي'، وهو ما يفسر التركيز الحكومي المكثف على الفضاء الرقمي.
وتتضمن الجهود التقنية أيضاً محاولة التأثير على خوارزميات الذكاء الاصطناعي وروبوتات الدردشة الشهيرة مثل 'ChatGPT'. ومن خلال إنشاء مواقع إلكترونية ونشر تدوينات مكثفة، تسعى الحملة الإسرائيلية لضمان أن تكون النتائج التي تقدمها هذه الروبوتات للمستخدمين متوافقة مع الرواية الرسمية الإسرائيلية.
ختاماً، يظهر حجم الإنفاق والتعقيد التقني في هذه الحملات أن إسرائيل تخوض معركة وعي شاملة داخل المجتمع الأمريكي. وبينما تنجح في استمالة بعض النخب المحافظة، تظل التحديات قائمة أمامها في ظل التحولات العميقة في مواقف الأجيال الشابة والتيارات الليبرالية تجاه القضية الفلسطينية.
المصدر:
القدس