د. متري الراهب: الكنيسة الأنجليكانية اتخذت قرارها رغم ضغوط اللوبي الصهيوني ما يعد مؤشراً على تنامي دور الكنائس بمناصرة القضية الفلسطينية
المطران عطا الله حنا: الهدف الأساسي من المبادرة مخاطبة الكنائس المسيحية في العالم لوضعها أمام مسؤوليتها الأخلاقية والإنسانية تجاه القضية الفلسطينية
د. منذر إسحق: التغيير الجذري في اللاهوت الغربي أصبح ضرورة ملحة وهو ما سعت وثيقة "كايروس فلسطين 2" إلى تأطيره من خلال الدعوة إلى مراجعات شاملة
الأب عبد الله يوليو: اعتماد الوثيقة يجب خروجه من الإطار الكنسي أو الرمزي ليقود إلى ممارسة ضغط حقيقي على الحكومات الغربية لتغيير سياساتها تجاه فلسطين
الشيخ محمد حسين: دعم الكنائس والمؤسسات الخارجية لمثل هذه المبادرات أمر مهم جداً وخطوة إيجابية وتشكل رافعة مهمة للجهود الفلسطينية
د. ماجد صقر: اعتماد الوثيقة من مؤسسة دينية كبرى مثل كنيسة إنجلترا يعكس أن الاحتلال بات يواجه رفضاً متزايداً على المستوى الديني والإنساني العالمي
حاتم عبد القادر: هذا الموقف يمثل صوتاً أخلاقياً وإنسانياً مسؤولاً ويعكس إدراكاً لحقيقة ما يتعرض له الشعب الفلسطيني بمسلميه ومسيحييه
رام الله - خاص بـ"القدس"-
يشكّل اعتماد المجمع العام لكنيسة إنجلترا وثيقة "كايروس فلسطين 2" (لحظة الحقيقة: الإيمان في زمن الإبادة) محطة مفصلية في مسار الحراك الكنسي الداعم للحقوق الفلسطينية، وسط إجماع شخصيات دينية مسيحية وإسلامية على أن القرار يعكس تحولاً غير مسبوق في مواقف إحدى أكبر الكنائس الغربية تجاه القضية الفلسطينية، بعد سنوات طويلة من الحوار والتراكم والعمل اللاهوتي والحقوقي الذي قادته الكنائس والمؤسسات المسيحية الفلسطينية.
ويرى رجال دين مسيحيين ومسلمين، في أحاديث منفصلة لـ"القدس"، أن أهمية القرار تتجاوز البعد الرمزي، إذ يحمل اعترافاً بالسردية الفلسطينية، ويدعو إلى مراجعات لاهوتية وأخلاقية، ودراسة سحب الاستثمارات من الجهات الداعمة للاحتلال، وتعزيز التضامن مع الشعب الفلسطيني وحماية الوجود المسيحي في الأرض المقدسة، مؤكدين أن الخطوة تمثل بداية لمسار ينبغي أن يترجم إلى مواقف عملية تضغط على الحكومات الغربية لتغيير سياساتها تجاه فلسطين.
ويؤكدون أن اعتماد الوثيقة جاء رغم ضغوط واسعة مورست على كنيسة إنجلترا، ويعكس تنامياً في الوعي الكنسي العالمي تجاه ما يتعرض له الفلسطينيون، مشددين على أن المبادرة تخاطب الضمير الإنساني وتؤكد وحدة المسلمين والمسيحيين في الدفاع عن الحقوق الوطنية، فيما تتواصل الجهود الفلسطينية مع الكنائس حول العالم لتوسيع دائرة التأييد الدولي للقضية الفلسطينية، وترجمة المواقف الأخلاقية إلى خطوات ملموسة تدعم العدالة والحرية وإنهاء الاحتلال.
نقلة نوعية بموقف الكنيسة الأنجليكانية
يؤكد مؤسس ورئيس جامعة دار الكلمة وأحد كُتّاب وثيقة "كايروس فلسطين"، القس د. متري الراهب، أن اعتماد كنيسة إنجلترا رسمياً لوثيقة "كايروس فلسطين 2" يشكل تحولاً تاريخياً ونقلة نوعية في موقف الكنيسة الأنجليكانية، باعتبارها للمرة الأولى تتبنى وثيقة فلسطينية مسيحية تتناول بصورة مباشرة قضايا الإبادة الجماعية، والتطهير العرقي، والاستعمار الاستيطاني والاحتلال في الضفة الغربية، كما تدعو إلى سحب الاستثمارات من إسرائيل، أو من الشركات الداعمة للاحتلال.
ويوضح الراهب أن أهمية القرار لا تنبع فقط من مضمونه، وإنما أيضاً من مكانة الكنيسة الأنجليكانية بوصفها كنيسة إنجلترا الرسمية، والتي عُرفت تاريخياً بمواقفها المحافظة، معتبراً أن اعتمادها الوثيقة يعكس تغيراً متنامياً في مواقف الكنائس حول العالم تجاه القضية الفلسطينية.
ثمرة عمل تراكمي امتد لعقود
ويؤكد الراهب أن هذا التحول لم يكن نتيجة حدث عابر، بل ثمرة عمل تراكمي امتد لأكثر من أربعة عقود، قاده لاهوتيون فلسطينيون ومؤسسات مسيحية فلسطينية، إلى جانب رجال دين من طوائف مختلفة في بريطانيا والعالم، مشيراً إلى أن بعض الكنائس الأميركية سبقت الكنيسة الأنجليكانية في اتخاذ مواقف مشابهة.
ويشير الراهب إلى أن أولى الخطوات العملية التي نص عليها القرار تتمثل في دعوة الكنيسة أبناءها ورعاياها إلى دراسة الوثيقة، بما يسهم في توعيتهم بجوهر القضية الفلسطينية، وتقديمها باعتبارها قضية استعمار وليست صراعاً دينياً، وهو ما يعني تبني الكنيسة للسردية الفلسطينية المسيحية.
دراسة الاستثمارات المرتبطة بدعم الاحتلال
ويشدد الراهب على أن الوثيقة تفتح المجال أيضاً لدراسة الاستثمارات المرتبطة بشركات إسرائيلية أو بريطانية أو أميركية تدعم الاحتلال، تمهيداً لسحبها، معتبراً أن ذلك يحتاج إلى متابعة وجهد مستمر.
ويلفت إلى أن الوثيقة تدعو كذلك إلى دعم الوجود المسيحي والكنائس في فلسطين، خاصة مع التراجع الحاد في أعداد المسيحيين، ولا سيما في قطاع غزة، حيث لم يتبقَّ سوى نحو 500 مسيحي، الأمر الذي يهدد استمرار الوجود المسيحي هناك خلال السنوات المقبلة.
ويشير الراهب إلى المخاطر التي تواجه المسيحيين في الضفة الغربية بفعل الاستعمار، مؤكداً أن الحفاظ على هذا الوجود يمثل حماية للتعددية والفسيفساء الحضارية الفلسطينية، وليس قضية تخص المسيحيين وحدهم.
اتخاذ القرار رغم الضغوط
ويوضح الراهب أن الكنيسة الأنجليكانية اتخذت قرارها رغم الضغوط الكبيرة التي تعرضت لها من اللوبي الصهيوني في بريطانيا، والذي سعى لمنع اعتماد الوثيقة، مشيراً إلى صدور بيانات استنكار من شخصيات دينية يهودية بارزة، إلى جانب حملات إعلامية ضد الكنيسة، إلا أنها مضت في قرارها، وهو ما يعد مؤشراً على تنامي دور الكنائس في مناصرة القضية الفلسطينية.
ويؤكد الراهب أن العمل لن يتوقف عند اعتماد الوثيقة، موضحاً أن هناك تواصلاً دائماً مع قيادات الكنائس في مختلف أنحاء العالم، إضافة إلى وفود فلسطينية تزور بصورة مستمرة الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وبريطانيا، ودولاً في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، في إطار متابعة تنفيذ مضامين الوثيقة وتعزيز الدعم الدولي للقضية الفلسطينية، مشدداً على أن هذا الإنجاز يمثل محطة ضمن مسار تراكمي طويل ما زال مستمراً.
ويشير الراهب إلى أن وثيقة "كايروس فلسطين" هي وثيقة المبادرة المسيحية الفلسطينية، وقد صدرت النسخة الأولى منها عام 2009، والنسخة الثانية منها الحالية، صدرت في شهر نوفمبر / تشرين ثاني من العام المنصرم 2025.
تنامي الوعي تجاه عدالة القضية الفلسطينية
يؤكد رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس المطران عطا الله حنا أن اعتماد المجمع العام لكنيسة إنجلترا وثيقة "كايروس فلسطين 2" يمثل نتيجة لمسار طويل من العمل والتواصل الذي قامت به المبادرة المسيحية الفلسطينية مع الكنائس في مختلف أنحاء العالم، مشيراً إلى أن هذه الخطوة تأتي في سياق تنامي الوعي الدولي تجاه عدالة القضية الفلسطينية وضرورة إنهاء الظلم التاريخي الواقع على الشعب الفلسطيني.
ويوضح المطران حنا أن المبادرة المسيحية الفلسطينية أُطلقت قبل نحو عشرين عاماً، بمشاركة عدد من رجال الدين المسيحيين الفلسطينيين والشخصيات المسيحية، حيث صدرت حينها وثيقة "كايروس فلسطين" الأولى التي تُرجمت إلى لغات عديدة، قبل أن تصدر الوثيقة الثانية قبل أشهر خلال مؤتمر دولي عُقد في بيت لحم بمشاركة وفود وشخصيات فلسطينية ودولية.
مخاطبة الكنائس المسيحية في العالم
ويبيّن حنا أن الهدف الأساسي من المبادرة والوثائق الصادرة عنها هو مخاطبة الكنائس المسيحية في العالم، بمختلف مذاهبها الأرثوذكسية والكاثوليكية والإنجيلية، لوضعها أمام مسؤوليتها الأخلاقية والإنسانية تجاه القضية الفلسطينية، والدعوة إلى مواقف واضحة تنسجم مع قيم العدالة والكرامة وحقوق الإنسان.
ويشير حنا إلى أن نشاط المبادرة تصاعد مع بدء حرب الإبادة على غزة، من خلال المشاركة في مؤتمرات دولية وإجراء اتصالات ومراسلات متواصلة مع الكنائس حول العالم، ما أسهم في دفع عدد من الكنائس لاتخاذ مواقف أكثر وضوحاً وجرأة تجاه معاناة الشعب الفلسطيني.
إيصال صوت الفلسطينيين
ويشدد المطران حنا على أن قرار كنيسة إنجلترا يستحق الشكر والثناء، وهو ثمرة سنوات من التواصل والزيارات الميدانية، مؤكداً أن للمبادرة المسيحية الفلسطينية دوراً في إيصال صوت الفلسطينيين، إلا أن العامل الأكبر كان دماء الشعب الفلسطيني ومعاناته، موضحاً أن ما تعرض له الفلسطينيون، وخاصة في غزة، كان أبلغ من أي خطاب وأدى إلى تحريك الضمائر الحية حول العالم.
ويؤكد حنا أن العديد من الكنائس اتخذت مواقف تضامنية مع الشعب الفلسطيني، معرباً عن أمله في توسع رقعة الوعي والتضامن والدفاع عن القضية الفلسطينية باعتبارها قضية إنسانية عادلة.
رسالة مسيحية وإنسانية
ويشدد حنا على أن رسالة المبادرة ليست سياسية، بل رسالة مسيحية وإنسانية تقوم على الدفاع عن المظلومين، مؤكداً أن المسيحيين الفلسطينيين جزء أصيل من الشعب الفلسطيني وملتزمون بالقيم التي تدعو إلى نصرة الإنسان المتألم والمطالبة بالعدالة والحرية ورفع الظلم.
ويلفت حنا إلى أن المظاهرات العالمية وبيانات التضامن والشجب تعكس تغيراً في وعي الشعوب، وأن كارثة غزة ومعاناتها حركت الكثير من الضمائر، مؤكداً استمرار المبادرة في التواصل مع كنائس العالم واستقبال الوفود المسيحية التي تزور فلسطين للاطلاع على الواقع والاستماع إلى صوت الكنائس الفلسطينية.
ويؤكد المطران حنا تفاؤله بأن يؤدي هذا التحول في الوعي العالمي إلى نتائج إيجابية، مشيراً إلى أن البيانات والمواقف الصادرة عن الكنائس تحمل قيماً أخلاقية سامية، ويمكن أن تسهم في الضغط على الحكومات والدول والزعماء لاتخاذ مواقف أكثر عدلاً وإنسانية تجاه القضية الفلسطينية.
خطوة طال انتظارها
يعتبر راعي كنيسة الرجاء الإنجيلية اللوثرية في رام الله، ومدير مركز بيت لحم للعدل والسلام، القسيس د. منذر إسحق، أن تصويت كنيسة إنجلترا على اعتماد وثيقة "كايروس فلسطين 2" يمثل خطوة طال انتظارها في الاتجاه الصحيح، ويعكس تحولاً مهماً في تعامل الكنيسة مع شهادة المسيحيين الفلسطينيين وما يطرحونه من قراءة للواقع الفلسطيني.
ويوضح إسحق أن هذا التطور جاء بعد سنوات طويلة من الحوارات الصريحة والمتواصلة التي خاضها قادة الكنائس المسيحية الفلسطينية مع قيادات كنيسة إنجلترا، مشيراً إلى أن رؤساء أساقفة كانتربري المتعاقبين وعدداً من كبار المسؤولين الكنسيين زاروا فلسطين والتقوا القيادات المسيحية، وشاهدوا بصورة مباشرة واقع الاحتلال العسكري والفصل العنصري، ثم لاحقاً حجم الدمار الواسع الذي تعرض له قطاع غزة.
ويشدد إسحق على أن هذه الزيارات، وما رافقها من شهادات فلسطينية مباشرة، جعلت من الصعب، أخلاقياً ورعوياً، تجاهل النداءات الفلسطينية أو الامتناع عن الإصغاء إليها.
ويشير إسحق إلى أن القرار ينبغي فهمه أيضاً ضمن سياقه التاريخي، لافتاً إلى أن كنيسة إنجلترا، كما المجتمع البريطاني عموماً، لا تستطيع التنصل من الإرث البريطاني في فلسطين، سواء من خلال وعد بلفور، أو فترة الانتداب البريطاني، أو التفسيرات الصهيونية للكتاب المقدس، والتي أسهمت في النكبة الفلسطينية.
ويلفت إسحق إلى أن قطاعات داخل الكنيسة نظرت تاريخياً بإيجابية إلى المشروع الصهيوني، من دون منح الحقوق الفلسطينية وتجربة الشعب الفلسطيني الاهتمام ذاته.
التصويت يعكس تحولاً جذرياً
ويرى إسحق أن التصويت يعكس تحولاً جذرياً، وإن جاء متأخراً، باتجاه الإصغاء إلى صوت المسيحيين الفلسطينيين، ومواجهة مرحلة كانت الكنيسة فيها، في بعض الأحيان، متواطئة عبر لاهوتها أو صمتها أو افتراضاتها مع الظلم الواقع على الفلسطينيين.
ويعرب إسحق عن أمله في أن تقرأ كنيسة إنجلترا وثائق "كايروس فلسطين" بجدية، وأن تتعامل مع شهادة المسيحيين الفلسطينيين، والأدلة القانونية واللاهوتية والإنسانية المتزايدة بشأن غزة والإبادة الحاصلة فيها، بروح المسؤولية.
بلورة "لاهوت ما بعد غزة"
ويؤكد إسحق أن اللاهوت الفلسطيني يدعو اليوم إلى بلورة "لاهوت ما بعد غزة"، مشدداً على أن الكنيسة لا تستطيع الاستمرار في ممارساتها السابقة وكأن ما جرى لم يحدث، وأن التغيير الجذري في اللاهوت الغربي أصبح ضرورة ملحة، وهو ما سعت وثيقة "كايروس فلسطين 2" إلى تأطيره من خلال الدعوة إلى مراجعات شاملة في مجالات اللاهوت، والشهادة العامة، والتضامن مع الشعب الفلسطيني.
اعتراف مباشر بمظلومية الشعب الفلسطيني
يؤكد الأب عبد الله يوليو أن اعتماد المجلس الأعلى للكنيسة الأنجليكانية (الأسقفية) لوثيقة "كايروس فلسطين" يمثل خطوة بالغة الأهمية، معتبراً أنها تحمل اعترافاً مباشراً بمظلومية الشعب الفلسطيني، إلا أن قيمتها الحقيقية ستبقى مرتبطة بمدى ترجمتها إلى مواقف سياسية تؤثر في سياسات الحكومتين البريطانية والأميركية تجاه القضية الفلسطينية.
ويوضح يوليو أن المشهد الكنسي في فلسطين يضم كنائس تاريخية عربية تضرب جذورها في الأرض العربية وتتمتع بإدارة ومرجعية عربية، إلى جانب كنائس وافدة، لافتاً إلى أن الكنيسة الأسقفية تعد من الكنائس المهمة في فلسطين، وأسهمت، إلى جانب الكنيسة اللوثرية وعدد من الكنائس الإنجيلية، في إطلاق وثيقة "كايروس فلسطين" عام 2009 بعد أحداث الانتفاضة الثانية، نظراً لقدرتها على مخاطبة الكنائس والمجتمعات المسيحية في الغرب.
المكانة الخاصة للكنيسة الأنجليكانية
ويشير يوليو إلى أن أهمية اعتماد الوثيقة تنبع أيضاً من المكانة الخاصة للكنيسة الأنجليكانية بوصفها الكنيسة التاريخية في بريطانيا، موضحاً أن رئاسة الكنيسة تعود فعلياً إلى الملك أو الملكة، بينما يتولى كبير الأساقفة المرجعية الكنسية العليا، كما أن للكنيسة حضوراً واسعاً في الولايات المتحدة من خلال الكنيسة الأسقفية، الأمر الذي يمنحها قدرة على التأثير في الرأي العام وصناع القرار.
أهمية ممارسة الضغط على الحكومات الغربية
وبحسب يوليو، فإن اعتماد الوثيقة يجب ألا يبقى في الإطار الكنسي أو الرمزي، بل ينبغي أن يقود إلى ممارسة ضغط حقيقي على الحكومات الغربية لتغيير سياساتها تجاه فلسطين، مؤكداً أن استمرار الحرب وما يجري في غزة وجنين وسائر الأراضي الفلسطينية، إضافة إلى التطورات الإقليمية، يستدعي اعترافاً واضحاً بأن الشعب الفلسطيني هو الطرف الواقع تحت الظلم.
ويؤكد يوليو أن الكنيسة الأسقفية ترتبط مباشرة بالواقع الفلسطيني من خلال مسؤوليتها عن المستشفى المعمداني في غزة، فضلاً عن مؤسساتها الدينية والاجتماعية في فلسطين، ما يضاعف مسؤوليتها في الدفاع عن العدالة والسلام، معرباً عن تقديره لاعتماد الوثيقة، ومشدداً على ضرورة أن تعقبها خطوات عملية تؤثر في مواقف بريطانيا والدول الغربية.
أهمية بلورة خطاب وطني وديني موحد
ويستعرض يوليو ظروف صدور الوثيقة، مبيناً أنها صدرت باسم "كنائس الأرض المقدسة – كنائس فلسطين"، وحظيت بإجماع المرجعيات الروحية المسيحية في فلسطين، معتبراً أن هذا التوافق يمثل نموذجاً ينبغي الحفاظ عليه، داعياً إلى بلورة خطاب وطني وديني موحد تشارك فيه المرجعيات الإسلامية والمسيحية، بما يعزز وحدة الموقف الفلسطيني.
ويشدد يوليو على أن المسيحيين الفلسطينيين والعرب يشكلون جزءاً أصيلاً من الشعب الفلسطيني والأمة العربية، محذراً من محاولات عزلهم عن محيطهم الوطني أو دفعهم نحو الهجرة أو تصويرهم كأقلية منفصلة، وداعياً إلى تعزيز حضورهم الوطني والميداني باعتبارهم شركاء في النضال من أجل الحرية والاستقلال.
ويؤكد يوليو أن صدقية مواقف بريطانيا والدول الغربية ستقاس بمدى انتقالها من الدعم غير المشروط لإسرائيل إلى دعم الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، معرباً عن أمله في أن تقود هذه المواقف إلى تحقيق الحرية والاستقلال وعودة اللاجئين إلى ديارهم.
دعوة لإنصاف الشعب الفلسطيني وإحقاق حقوقه
يؤكد مفتي القدس والديار الفلسطينية، الشيخ محمد حسين، أن أي موقف أو مبادرة تصدر عن الكنائس الفلسطينية، سواء كانت موجهة إلى كنيسة بعينها أو إلى الكنائس وشعوب العالم، وتحمل دعوة إلى إنصاف الشعب الفلسطيني وإحقاق حقوقه، تمثل خطوة إيجابية تستحق الدعم والتقدير، مشدداً على أهمية توسيع التأييد الدولي للحقوق الفلسطينية بمختلف أبعاده الدينية والوطنية والإنسانية.
ويقول الشيخ حسين، في تعقيبه على اعتماد كنيسة إنجلترا وثيقة "كايروس فلسطين"، "إن أي مبادرة تدعو إلى إحقاق الحقوق الفلسطينية، سواء تعلق الأمر بحقوق المسلمين أو المسيحيين، تحظى بتأييد الفلسطينيين، انطلاقاً من أن أبناء الشعب الفلسطيني يشكلون شعباً واحداً، تجمعهم المواطنة والانتماء إلى الأرض الفلسطينية"، مؤكداً أن المسلمين والمسيحيين يقفون على قدم المساواة في الدفاع عن وطنهم ومقدساتهم وحقوقهم الوطنية.
الفلسطينيون أصحاب حق
ويشدد حسين على أن الفلسطينيين يعتبرون أنفسهم أصحاب هذه الأرض ومرابطين فيها، وأن الحفاظ على حقوق الشعب الفلسطيني وصون مقدساته الإسلامية والمسيحية يمثل قضية جامعة، معرباً عن ترحيبه بكل المبادرات التي تصب في هذا الاتجاه، ولا سيما تلك التي تحظى بدعم من المؤسسات والكنائس والهيئات الدولية.
ويشير الشيخ حسين إلى أن دعم الكنائس والمؤسسات الخارجية لمثل هذه المبادرات أمر هام جداً وخطوة إيجابية وتشكل رافعة مهمة للجهود الفلسطينية، معرباً عن شكره وتقديره لكل الجهات التي تساند الحقوق الفلسطينية، ومؤكداً تطلعه إلى اتساع دائرة التأييد الدولي للشعب الفلسطيني، بما يخدم نيل حقوقه المشروعة.
ضرورة استمرار الجهود الدولية الداعمة لفلسطين
ويوضح حسين أن ترجمة هذه المبادرات على أرض الواقع تكمن في استمرار الجهود الدولية الهادفة إلى دعم الشعب الفلسطيني، داعياً إلى زيادة المبادرات والمواقف المساندة من مختلف الجهات العالمية، سواء كانت دينية أو سياسية أو حقوقية، بما يسهم في تعزيز صمود الفلسطينيين والدفاع عن حقوقهم المشروعة.
ويؤكد الشيخ حسين أهمية أن تقف شعوب العالم إلى جانب الشعب الفلسطيني، وأن تواصل دعمها لحقوقه الوطنية، وصولاً إلى تحقيق تطلعاته في الحرية والاستقلال وإقامة دولته الفلسطينية وعاصمتها القدس.
ويشير حسين إلى أن الاعترافات الدولية بالدولة الفلسطينية تمثل مؤشراً على اتساع التأييد العالمي للحقوق الفلسطينية، داعياً إلى البناء على هذا الدعم وتعزيزه من خلال مواقف عملية ومبادرات متواصلة تسهم في إحقاق العدالة للشعب الفلسطيني، وتدعم حقه في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة على أرضه.
خطوة تاريخية مهمة
يؤكد مدير دائرة إعداد الدعاة في وزارة الأوقاف والشؤون الدينية د.ماجد صقر أن اعتماد المجمع العام لكنيسة إنجلترا وثيقة "كايروس فلسطين 2" يمثل خطوة تاريخية مهمة، لما تحمله من تأكيد على حقوق الفلسطينيين، مسلمين ومسيحيين، ورفضها للاحتلال العسكري للأرض الفلسطينية باعتباره، وفق مضمون الوثيقة، خطيئة ضد الله والإنسان.
ويوضح صقر أن الوثيقة تؤكد أن اللاهوت الذي يبرر الاحتلال هو لاهوت تحريفي بعيد عن جوهر التعاليم المسيحية، التي تقوم على المحبة والتضامن مع المظلومين والدعوة إلى تحقيق العدل والمساواة بين الشعوب، مشيراً إلى أن اعتمادها من مؤسسة دينية كبرى مثل كنيسة إنجلترا يعكس أن الاحتلال بات يواجه رفضاً متزايداً على المستوى الديني والإنساني العالمي.
أهمية استمرار التمسك بالأرض
ويبيّن صقر أن ترجمة هذا الاعتماد على أرض الواقع تكون من خلال تعزيز التأييد الإسلامي والمسيحي الدولي لرفض الاحتلال بكافة أشكاله، وإبراز حقيقة أنه لا يميز في اعتداءاته بين الفلسطينيين على اختلاف أديانهم، بل يستهدف وجودهم وحقوقهم ومقدساتهم، بما فيها المساجد والكنائس، خاصة في مدينة القدس.
ويشدد صقر على أهمية استمرار التمسك بالأرض والتكاتف بين المسلمين والمسيحيين في مواجهة الانتهاكات، والعمل على نقل صورة الظلم الذي يتعرض له الفلسطينيون بفعل اعتداءات المستوطنين تحت حماية الاحتلال، مستشهداً بما تتعرض له قرية الطيبة شرق رام الله من استهداف طال أهلها وكنائسها، وكذلك قرية دير جرير المجاورة التي قدمت شهداء، مؤكداً أن هذه الممارسات باتت مشهداً متكرراً في مختلف قرى فلسطين.
صوت أخلاقي وإنساني مسؤول
يؤكد الأمين العام للهيئة الإسلامية المسيحية لنصرة القدس والمقدسات حاتم عبد القادر أهمية قرار المجمع العام لكنيسة إنجلترا، الذي صوت بأغلبية كبيرة لصالح إعلان التضامن مع الفلسطينيين المسيحيين وتبني وثيقة تدعو الكنائس والمسيحيين في أنحاء العالم الى الوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني في ظل ما يتعرضون له من انتهاكات متواصلة.
ويشدد عبد القادر على أن هذا الموقف يمثل صوتاً أخلاقياً وإنسانياً مسؤولاً، ويعكس إدراكاً متزايداً داخل المؤسسات الكنسية العالمية لحقيقة ما يتعرض له الشعب الفلسطيني بمسلميه ومسيحييه من سياسات الاحتلال والاستيطان والتهجير، وما تشكله هذه السياسات من تهديد مباشر للوجود المسيحي التاريخي في الأراضي المقدسة، والهوية الحضارية والدينية لمدينة القدس.
ليست قضية دينية فقط بل عدالة وحقوق إنسان
ويؤكد عبد القادر أن تضامن المجمع العام لكنيسة إنجلترا يبعث برسالة واضحة إلى المجتمع الدولي بأن حماية الوجود المسيحي الفلسطيني ليست قضية دينية فحسب، بل هي قضية عدالة وحقوق إنسان، وأن الحفاظ على التنوع التاريخي والثقافي في الأراضي المقدسة يتطلب إنهاء الاحتلال ووقف الاعتداءات على الشعب الفلسطيني ومقدساته الإسلامية والمسيحية.
ويدعو عبد القادر الكنائس والمؤسسات الدينية والإنسانية حول العالم إلى البناء على هذا الموقف الشجاع وترجمته إلى خطوات عملية ومواقف أكثر فاعلية للدفاع عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، والعمل من أجل حماية مدينة القدس ومقدساتها وصون الوجود المسيحي باعتباره جزءاً لا يتجزأ من الهوية الوطنية الفلسطينية والإرث الثقافي والتاريخي للمدينة المقدسة.
المصدر:
القدس