صعّدت سلطات الاحتلال الإسرائيلي من وتيرة مشروعها الاستيطاني في الضفة الغربية عبر منح الصفة القانونية لعشرات البؤر الزراعية التي كانت تُصنف سابقاً بأنها غير قانونية. وتهدف هذه الخطوة إلى تثبيت واقع ديموغرافي وجغرافي جديد يخدم استراتيجية السيطرة الشاملة على الأراضي الفلسطينية المصنفة 'ج'.
وتعد مستوطنة 'أرغمان' المقامة شمال مدينة أريحا نموذجاً لهذا التوسع، حيث تتربع على مساحة 4500 دونم منذ تأسيسها عقب احتلال عام 1967. وتمثل هذه المستوطنة باكورة الاستيطان الزراعي الذي تستخدمه إسرائيل كوسيلة فعالة للاستيلاء على مساحات شاسعة من الأراضي بأقل عدد من المستوطنين.
في المقابل، تعاني التجمعات الفلسطينية المحيطة بهذه المستوطنات من تضييق خانق، حيث ترفض سلطات الاحتلال توسيع المخططات الهيكلية لقرى مثل 'الزبيدات'. ويعيش أكثر من ألفي فلسطيني في مساحة سكنية لا تتجاوز 20 دونماً، بينما يتمتع بضع عشرات من المستوطنين بآلاف الدونمات الزراعية.
وأعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس عن البدء الفوري في إجراءات شرعنة 140 بؤرة استيطانية، معظمها ذات طابع زراعي ورعوي. وأكد كاتس أن هذا القرار يهدف لتعزيز الوجود اليهودي وإضعاف أي محاولات فلسطينية للترسخ في المناطق الخاضعة للسيطرة الأمنية والإدارية الإسرائيلية الكاملة.
وتعني عملية 'الشرعنة' توفير غطاء قانوني ولوجستي كامل لهذه المواقع، بما يشمل ربطها بشبكات المياه والكهرباء وتعبيد الطرق المؤدية إليها. وتؤدي هذه السياسة إلى ضم فعلي للمنطقة 'ج' التي تشكل نحو 63% من مساحة الضفة الغربية، عبر ربطها بشبكة طرق استراتيجية مع العمق الإسرائيلي.
من جانبه، أدان الناطق الرسمي باسم الرئاسة الفلسطينية نبيل أبو ردينة هذه الخطوات، واصفاً إياها بالتصعيد الخطير الذي يكرس سياسة التوسع العنصري. وأشار أبو ردينة إلى أن هذه المزارع ليست سوى بؤر استعمارية تمارس الإرهاب بحق السكان الأصليين تحت حماية جيش الاحتلال.
وطالبت الرئاسة الفلسطينية الإدارة الأمريكية بالتدخل الفوري لوقف هذه السياسات التي تقوض أي فرصة لتحقيق الاستقرار في المنطقة. وشددت على أن كافة أشكال الاستيطان باطلة وغير شرعية وفقاً للقانون الدولي وقرارات مجلس الأمن، لا سيما القرار رقم 2334 الذي يطالب بوقف الاستيطان.
وتترافق هذه التحركات مع تخصيص موازنات ضخمة بلغت نحو 841 مليون دولار للسنوات الخمس المقبلة لدعم البنية التحتية للمستوطنات. ويقود الوزير بتسلئيل سموتريتش ما يعرف بـ 'خطة المليون'، التي تهدف لجلب مليون مستوطن إضافي إلى الضفة الغربية وتغيير وجه المنطقة بشكل نهائي.
ووفقاً لهيئة مقاومة الجدار والاستيطان، فقد شهد عام 2025 وحده إقامة 125 بؤرة استيطانية رعوية جديدة في مختلف أنحاء الضفة. وتنتشر هذه البؤر على مساحات شاسعة، مما أدى إلى تهجير قسري لنحو 38 تجمعاً فلسطينياً نتيجة اعتداءات المستوطنين المتواصلة والمدعومة حكومياً.
وأفادت مصادر محلية بأن ميليشيات المستوطنين تستخدم 'الإرهاب الرعوي' كوسيلة لطرد المزارعين والرعاة الفلسطينيين من أراضيهم التاريخية. وقد سجلت الأشهر الماضية استشهاد 14 فلسطينياً برصاص المستوطنين الذين باتوا يمتلكون عشرات الآلاف من قطع السلاح بتسهيلات رسمية.
وتتركز معظم هذه البؤر الزراعية في مناطق الأغوار الممتدة من قرية بردلة شمالاً وحتى البحر الميت جنوباً، نظراً لخصوبة التربة ووفرة المياه. وتستغل الشركات الاستيطانية هذه الموارد لزراعة النخيل والأعشاب الطبية وتصديرها للأسواق العالمية، بينما يُحرم الفلسطينيون من الوصول لمصادر مياههم.
ويرى أكاديميون فلسطينيون أن هذا النمط الجديد من الاستيطان يمثل تحولاً في الدور الحكومي، حيث بات المستوطنون هم من يبادرون بوضع اليد على الأرض. وتكتفي الحكومة لاحقاً بمنحهم الشرعية وتوفير الخدمات الأساسية، مما يجعل من المستوطنين 'رأس حربة' في مشروع الضم الزاحف.
إن استمرار هذه السياسة يهدد بتفتيت ما تبقى من وحدة جغرافية للضفة الغربية وتحويل القرى الفلسطينية إلى معازل محاصرة بالمستوطنات. ويؤكد مراقبون أن 'خطة المليون' تهدف في نهايتها إلى فرض واقع ديموغرافي يمنع أي إمكانية لإقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافياً في المستقبل.
المصدر:
القدس