حين تضيق مراكز الإيواء وتتحول شوارع المدن الإسمنتية إلى مصائد للخوف، تفتح الطبيعة ذراعيها للبنانيين الهاربين من جحيم القصف دون أحكام مسبقة. ومع تجاوز أعداد النازحين حاجز المليون شخص في عام 2026، باتت المحميات الطبيعية وأحراج الصنوبر تمثل المعالج النفسي المجاني الوحيد للفئات الأكثر هشاشة في ظل نظام صحي منهك.
يفسر علم النفس البيئي هذا اللجوء الفطري بما يُعرف بفرضية 'البيوفيليا'، وهي النزعة البشرية المتأصلة للارتباط بكل ما هو حي. فالإنسان الذي عاش آلاف السنين في الغابات يستجيب لصوت الماء وحفيف الأشجار كمؤشرات أمان، بينما يقرأ الأرض العارية والمحترقة كعلامة خطر داهم تستنفر جهازه العصبي.
تشير مصادر طبية إلى أن المدينة في زمن الحرب تستهلك 'الانتباه القسري' بسبب ضجيج الانفجارات وتدفق الأخبار المأساوية، مما يؤدي إلى يقظة مفرطة منهكة. في المقابل، تمنح الطبيعة حالة من 'الافتتان الناعم' التي تتيح للدماغ الراحة والترميم، وهو ما يفسر تعافي المرضى الذين تطل غرفهم على مساحات خضراء بشكل أسرع.
تبرز ممارسة 'الاستحمام الغابي' كآلية فيزيولوجية دقيقة لتعزيز المناعة التي تضعفها الصدمات، حيث تحفز المركبات الكيماوية التي تفرزها الأشجار خلايا الدم البيضاء. وتعمل هذه الأجواء على نقل الجهاز العصبي من حالة الاستنفار والتوتر إلى حالة الراحة وهضم الصدمات، مما يكبح الأفكار القلقة الناتجة عن القصف.
في لبنان، تتجاوز العلاقة مع الشجر حدود الاستجمام لتصل إلى صلب الهوية والرزق، خاصة في الجنوب حيث تعتبر شجرة الزيتون سجلاً عائلياً يمتد لأجيال. وعندما تُحرق هذه الأحراج أو تُجرف الحقول، لا تُفقد المحاصيل فحسب، بل تنكسر نفوس المزارعين الذين يرون في اقتلاع الشجر اغتيالاً لذاكرتهم الجمعية وصمودهم.
استخدمت القوات الإسرائيلية في حرب عام 2026 الفوسفور الأبيض بشكل مكثف، مما أدى لتضرر 22% من الأراضي الزراعية اللبنانية. هذا الاستهداف الممنهج للغطاء النباتي يمثل ضربة نفسية واقتصادية مزدوجة، تهدف إلى تجفيف جذور الصمود النفسي للمجتمعات الريفية التي تعتمد على الأرض كمصدر للأمان والاستمرارية.
يظهر التباين النفسي واضحاً بين النازحين من بيئات ريفية واسعة وبين صدمة سكنهم القسري في مدارس إسمنتية ضيقة تفتقر للخصوصية. هذا الازدحام يسرع من انهيار الجهاز العصبي، مما يدفع الكثيرين للمشي قرب البحر أو في الجبال كضرورة غريزية للبقاء على قيد الحياة العقلية وتخفيف وطأة النزوح.
تؤكد الدراسات الحديثة أن التعرض للطبيعة يقلل من مستويات هرمون الكورتيزول ويخفض ضغط الدم المرتفع نتيجة التوتر المستمر. وفي بلد مثل لبنان، يعاني نصف سكانه من اضطرابات ما بعد الصدمة، تصبح الطبيعة خط الدفاع الأول في غياب بنية علاجية مؤسسية كافية قادرة على استيعاب حجم المأساة.
رغم صغر مساحة لبنان، إلا أن تنوعه الجغرافي يوفر ملاذات سريعة الوصول، حيث تضم البلاد 15 محمية طبيعية غنية بالتنوع البيولوجي. هذه المساحات، من أرز الشوف إلى وادي قاديشا، تحولت بحكم الواقع إلى ملاجئ وجودية يهرب إليها المواطنون لإعادة ضبط توازنهم النفسي بعيداً عن خطوط المواجهة.
سجلت بيانات وزارة الصحة اللبنانية أرقاماً صادمة خلال النزاع الأخير، حيث فاق عدد الجرحى 12 ألفاً بحلول منتصف عام 2026. ومع استمرار الغارات الجوية بمعدلات مرتفعة، يجد النازحون في الجلوس الصامت أمام اتساع الجبل أو البحر وسيلة لجعل آلامهم تبدو أصغر أمام عظمة الطبيعة وامتدادها.
إن العودة المتكررة للجنوبيين إلى أراضيهم فور توقف القصف، حتى لو وجدوا منازلهم ركاماً، تعكس رغبة عميقة في استعادة السيطرة على حياتهم. فالارتباط المادي بالأرض وبقايا شجر الزيتون الواقف يمثل فعل استعادة نفسية وجغرافية، يؤكد أن الجذور أقوى من محاولات التهجير القسري.
تعتبر العدالة البيئية جزءاً لا يتجزأ من حقوق الإنسان في أوقات الحروب، إذ إن حرمان الشعوب من مساحاتها الخضراء هو انتهاك مباشر لحقها في الشفاء. الطبيعة في النموذج اللبناني ليست رفاهية، بل هي مورد حيوي شبه مجاني يعوض النقص الحاد في خدمات الرعاية النفسية الرسمية المنهكة بفعل الأزمات.
في لحظات الانهيار الشامل للمؤسسات والمدن، يبقى الجهاز العصبي البشري قادراً على 'إعادة التزامن' عبر منبهات الطبيعة الثابتة منذ آلاف السنين. فالأرض لا تسأل عن هوية أو طائفة، وتقدم حضناً غير مشروط يذكر الناجين بأنهم بشر ولهم مكان يستقبلهم بعيداً عن لغة الأرقام ونشرات النزوح.
ختاماً، تبقى شجرة الزيتون في الوجدان اللبناني والفلسطيني شاهداً سياسياً ورمزاً للصمود لا يمكن اقتلاعه بالآلات العسكرية. إنها الرسالة الهادئة التي تقول إن الحياة ستستمر، وأن الطبيعة التي لطالما أهملها الإنسان في أوقات السلم، هي الوحيدة التي تضمد جراحه حين تشتعل نيران الحروب.
المصدر:
القدس