في بلد أنهكته الحروب المتلاحقة، لم يعد فعل الخير مجرد مبادرة عفوية بسيطة، بل تحول في ظل أزمة النزوح الكبرى عام 2026 إلى ساحة مفتوحة للاستغلال. وبينما تزداد الحاجة الماسة للحليب والدواء والسكن، ظهرت شبكات منظمة تستثمر في العاطفة الإنسانية، محولةً القصص المأساوية إلى مصائد مالية عبر تطبيقات التحويل ومجموعات التواصل الاجتماعي.
وتشير الأرقام الرسمية الصادرة عن وزارة الشؤون الاجتماعية اللبنانية إلى أن عدد النازحين داخلياً تجاوز حاجز 1.1 مليون شخص خلال الأشهر الأولى من التصعيد العسكري في ربيع 2026. فيما رفعت تقارير دولية هذا الرقم إلى 1.3 مليون نازح، ما يضع الدولة والمجتمع أمام تحديات لوجستية وأمنية غير مسبوقة في تاريخ البلاد الحديث.
هذه الفجوة الكبيرة بين الحاجة والاستجابة، حيث لم يتم تغطية سوى 20% من الاحتياجات، خلقت ما يسمى بـ 'الاقتصاد العاطفي الموازي'. فالمحتالون يدركون جيداً أن غياب النظام المالي الرسمي والاعتماد الكلي على التحويلات السريعة يوفر بيئة مثالية للإيقاع بالضحايا الذين يبحثون عن حلول فورية لمشاكلهم المعيشية.
وحذرت مصادر أمنية من نمط جديد من الاحتيال يستهدف المبادرين لجمع التبرعات، حيث يتم التواصل معهم من قبل أشخاص يدعون تمثيل شركات تحويل الأموال. ويطلب هؤلاء رموز التحقق (OTP) بحجة معالجة تحويلات عالقة، ليتم فوراً سحب كافة المبالغ الموجودة في الحسابات الإلكترونية وتحويلها إلى محافظ رقمية يصعب تتبعها.
وفي واقعة وثقتها السجلات الأمنية في يونيو 2026، تمكن مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية من استعادة مبالغ مالية لسيدة تعرضت للنصب بعد تجميد حساب في شركة تداول رقمي. وتعتبر هذه الحادثة بارقة أمل لكسر الفكرة الشائعة بأن الأموال المنهوبة إلكترونياً لا يمكن استعادتها، شريطة التبليغ السريع للجهات المختصة.
ولا يتوقف الاحتيال عند سرقة الحسابات، بل يمتد ليشمل 'السكن الوهمي' الذي يستهدف النازحين الباحثين عن مأوى. حيث يتم نشر إعلانات لشقق بأسعار مغرية على مواقع التواصل، ويُطلب من النازح دفع 'عربون' حجز عبر شركات التحويل، ليختفي صاحب الإعلان فور استلام المبلغ تاركاً العائلة في العراء.
وتؤكد أخصائيات اجتماعيات عاملات في الميدان أن التعامل المهني مع طلبات المساعدة يجب أن يتجاوز العاطفة المجردة إلى التدقيق الفني. فالمساعدة الحقيقية تقتضي تسديد ثمن الاحتياجات مباشرة للصيدليات أو المتاجر، لضمان عدم تسرب الأموال إلى 'السوق السوداء' التي ترتدي قناع العمل الخيري.
وكشفت المتابعات الميدانية عن أساليب صادمة، منها توزيع حليب أطفال منتهي الصلاحية من قبل بعض الناشطين الذين يجمعون تبرعات ضخمة ويوزعون جزءاً يسيراً منها. وتجري حالياً ملاحقات قضائية بحق أسماء معروفة في فضاء التواصل الاجتماعي بتهمة التلاعب بالفواتير والتوثيقات الوهمية لعمليات التوزيع.
ومن القصص التي هزت الرأي العام، استخدام تسجيلات صوتية مفبركة لرجل يدعي وفاة أطفاله وعدم قدرته على تأمين ثمن الوقود لدفنهم. وتبين لاحقاً أن هذا التسجيل أُرسل لمئات الأشخاص في وقت واحد، محققاً مبالغ طائلة للمحتال الذي استغل قدسية الموت لاستدرار عواطف المتبرعين.
كما رصدت التقارير وجود شبكات احتيال منظمة تتخذ من مناطق معينة مقراً لها، مثل الشبكة التي كُشفت في برج حمود. وتعتمد هذه الشبكات على تغيير الروايات والأسماء والقرى التي يدعون النزوح منها، بينما يبقى رقم الهاتف هو الخيط الوحيد الذي يفضح تكرار عمليات النصب.
ولم تسلم شريحة الباحثين عن عمل من هذه الموجة، حيث تم توثيق حالات انتحال صفة مكاتب متعاقدة مع الأمم المتحدة. ويتم إيهام الضحايا بفرص عمل برواتب مجزية مقابل دفع رسوم إدارية بسيطة، وهي حيلة أدت لسجن عدد من المتورطين بعد شكاوى جماعية من المتضررين.
وتشدد مصادر إنسانية على أن 'النشاط الاجتماعي' ليس مجرد رغبة في المساعدة، بل هو اختصاص يحكمه القانون والمعايير المهنية. فالفوضى الحالية في جمع التبرعات عبر 'واتساب' و'فيسبوك' تفتح الباب أمام انتهاك خصوصية النازحين عبر طلب صور هوياتهم ومستنداتهم الرسمية دون وجه حق.
ودعت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في لبنان إلى ضرورة الحفاظ على سرية الوثائق الشخصية وعدم مشاركتها مع جهات غير موثوقة. وأكدت أن الوكالات الإنسانية الرسمية لا تطلب مبالغ مالية مقابل تقديم الخدمات أو المساعدات النقدية، محذرة من حسابات وهمية على منصة 'تيك توك'.
يبقى الرهان في مواجهة 'تجارة الوجع' على وعي المتبرع وحذر المحتاج في آن واحد، فالحرب التي تفتح القلوب والبيوت يجب ألا تشرع الأبواب أمام لصوص الأزمات. إن تنظيف التضامن الإنساني من الشوائب هو السبيل الوحيد لضمان وصول المساعدة لمستحقيها الحقيقيين في ظل واحدة من أصعب أزمات النزوح.
المصدر:
القدس