ينذر السجال المتصاعد بين وزارة التربية اللبنانية ولجنة التربية النيابية حول مصير شهادة الثانوية العامة بتداعيات مقلقة على الطلاب وذويهم. وينتظر قرابة 48 ألف طالب قراراً نهائياً يحسم مستقبلهم التعليمي في ظل أوضاع أمنية غير مستقرة ومرشحة لمزيد من التأزيم جراء الغارات المستمرة.
وتتمسك وزارة التربية بطرح يعتمد نظام الدورات الثلاث الاختيارية، مؤكدة أن هذا الإجراء يهدف لإنصاف المتعلمين والحفاظ على قيمة الشهادة الرسمية. وتراهن الوزارة على نجاح المفاوضات السياسية في إقرار وقف لإطلاق النار قبل الموعد المقرر للامتحانات في نهاية يونيو الجاري.
في المقابل، تضغط لجنة التربية النيابية باتجاه اعتماد إجراءات استثنائية تلائم واقع الحرب، مطالبة بإلغاء الامتحانات لدورة العام الحالي والاستعاضة عنها بمنح إفادات نجاح. وترى اللجنة أن غياب الضمانات الأمنية يحول دون حماية الطلاب والمعلمين والمشرفين من الاستهداف المباشر.
وقد انزلق النقاش التربوي سريعاً إلى ساحة التجاذبات السياسية والطائفية، مما كرس الفوارق الطبقية بين طلاب المدارس الرسمية والخاصة. ويخشى مراقبون أن يؤدي الإصرار على إجراء الامتحانات في هذه الظروف إلى تعميق الشرخ الاجتماعي وضرب مبدأ تكافؤ الفرص.
وتصاعدت المخاوف الأمنية عقب حوادث استهداف دامية، كان أبرزها مقتل الطالبة ثيودوسيا كرم وعائلتها بصاروخ استهدف سيارتهم، ومقتل الطالب علي حسن العبدالله في قصف لمنزله. هذه الأحداث خلقت حالة من القلق النفسي الحاد لدى الطلاب، خاصة في مناطق الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية.
وكشفت مصادر تربوية في الجنوب أن عشرات الطلاب فقدوا أفراداً من عائلاتهم ويعيشون مرارة النزوح المتكرر وفقدان الاستقرار. وأكدت هذه المصادر أن الظروف الحالية تجعل من الوصول الآمن إلى مراكز الامتحانات أمراً شبه مستحيل في العديد من المناطق المستهدفة.
وتشير التقديرات إلى أن نحو 30% من طلاب لبنان تضرروا بشكل مباشر من الحرب، سواء بالنزوح أو بالاعتماد على التعليم عن بُعد المتعثر. ويعاني هؤلاء الطلاب من ضعف شبكات الإنترنت وانقطاع الكهرباء، مما جعل تحصيلهم العلمي غير موضوعي مقارنة بزملائهم في المناطق الأكثر أمناً.
وعلى الضفة الأخرى، يصف نواب في لجنة التربية هذا الإصرار بأنه "برستيج" لا يراعي دماء الأبرياء أو واقع التهجير الذي طال مليون لبناني. وتساءل برلمانيون عن كيفية إيصال الامتحانات إلى القرى الحدودية الصامدة التي تتعرض للقصف اليومي وتفتقر لأدنى مقومات الأمان.
وتبرز العقبات المالية كعائق إضافي، حيث لم تؤمن الدولة سوى 800 ألف دولار من أصل 3 ملايين دولار مطلوبة لتنظيم العملية الامتحانية. وتسعى الحكومة لتغطية العجز عبر الجهات المانحة والمنظمات الدولية، وهو ما يضع علامات استفهام حول جهوزية الوزارة اللوجستية.
ويعيش الطلاب والأهالي حالة من الضياع والارتباك النفسي نتيجة تضارب التصريحات بين الجهات الرسمية والنيابية. وطالب تربويون بضرورة اتخاذ قرار عاجل ونهائي لوقف استنزاف أعصاب الطلاب، سواء بالسير في الامتحانات أو إلغائها بشكل رسمي.
رابطة أساتذة التعليم الثانوي تربط موقفها النهائي بالتطورات الميدانية خلال الأيام المقبلة، مع الحرص على عدم التشويش على الطلاب المجتهدين. وأشارت الرابطة إلى أن الكثير من الطلاب يطمحون للحصول على الشهادة لتأمين قبولهم في جامعات خارجية، مما يجعل القرار معقداً للغاية.
يبقى الميدان هو الحكم الفصل في تحديد مصير العام الدراسي، حيث تترقب العائلة التربوية نتائج التحركات الدبلوماسية لوقف العدوان. وفي حال استمرار التصعيد، فإن خيار الإفادات قد يصبح المخرج الوحيد لتفادي كارثة تربوية وإنسانية قد تلحق بآلاف الطلاب اللبنانيين.
المصدر:
القدس