شهدت مدينة تورونتو الكندية ليلة مونديالية حبست الأنفاس، حيث نجح المنتخب البرتغالي في قلب تأخره أمام نظيره الكرواتي إلى انتصار درامي في دور الـ32 لكأس العالم 2026. وجاء هذا الفوز بفضل الرؤية الفنية المتأخرة للمدرب روبرتو مارتينيز، الذي أجرى تغييرات جذرية أنقذت مسيرته ومسار فريقه في البطولة.
بدأت المباراة بسيطرة برتغالية عقيمة على الكرة، حيث وصل الاستحواذ إلى قرابة 70% في الشوط الأول، لكن دون فاعلية حقيقية على مرمى الحارس دومينيك ليفاكوفيتش. وفي المقابل، أظهر المنتخب الكرواتي صموداً دفاعياً كبيراً وتنظيماً مكنه من امتصاص الضغط البرتغالي والاعتماد على الهجمات المرتدة السريعة.
التحول الجذري بدأ عندما قرر مارتينيز إجراء أربعة تبديلات دفعة واحدة بعد التأخر في النتيجة، وهي الخطوة التي وصفتها مصادر فنية بأنها 'مقامرة العمر'. وكان دخول غونسالو راموس هو المفتاح الذي فك شفرات الدفاع الكرواتي، بعدما عجز المهاجمون الأساسيون عن اختراق الحصون التي شيدها رفاق لوكا مودريتش.
المفاجأة الكبرى في قرارات مارتينيز كانت استبدال القائد كريستيانو رونالدو في وقت حساس، لإفساح المجال أمام تعزيز خط الوسط بروبن نيفيز. ورغم أن رونالدو خاض كل دقيقة في دور المجموعات، إلا أن خروجه سمح لراموس بالتحرر والانتقال لمركز المهاجم الصريح، وهو ما أتى ثماره سريعاً.
وفي الدقيقة 94، ارتقى غونسالو راموس، المهاجم الجديد لنادي ميلان الإيطالي، لعرضية متقنة من زميله رافائيل لياو، ليودعها برأسية قوية في الشباك. هذا الهدف لم يمنح البرتغال بطاقة العبور فحسب، بل أكد قيمة راموس كلاعب يتألق في المواعيد الكبرى والأدوار الإقصائية للمونديال.
على الجانب الآخر، عاشت كرواتيا لحظات قاسية بعد إلغاء هدف التعادل الذي سجله يوشكو غفارديول في الدقيقة 103 من الوقت الإضافي. فبعد العودة لتقنية الفيديو، تبين وجود تسلل على ماريو باشاليتش قبل تمرير الكرة، مما أطلق صافرة النهاية لمشوار كرواتيا في البطولة.
هذه الهزيمة لم تكن مجرد خروج من بطولة، بل مثلت الستار الأخير للأسطورة لوكا مودريتش في نهائيات كأس العالم. مودريتش، الذي قاد بلاده لإنجازات تاريخية، غادر الملعب وسط تحية حارة من الجماهير، في مشهد يجسد نهاية حقبة ذهبية للكرة الكرواتية التي لا تعرف الاستسلام.
البرتغال لم تتأخر في الرد، حيث حصل ريناتو فيغا على ركلة جزاء بعد عرقلة من نيكولا فلاشيتش داخل المنطقة المحرمة. وانبرى كريستيانو رونالدو لتنفيذ الركلة بنجاح، مسجلاً هدفه الأول في الأدوار الإقصائية للمونديال منذ عقدين، ومخففاً من الضغوط الهائلة التي تعرض لها الفريق.
ورغم اختيار رونالدو كأفضل لاعب في المباراة من قبل الاتحاد الدولي، إلا أن الأداء الجماعي وتصديات الحارس ديوغو كوستا كانت هي الحاسمة. كوستا وقف سداً منيعاً أمام محاولات ماتيو كوفاتسيتش وباشاليتش، خاصة في الدقائق الأخيرة التي شهدت ضغطاً كرواتياً مكثفاً.
اللحظة الأكثر تأثيراً في الليلة كانت دموع رونالدو عقب صافرة النهاية، حيث لم تكن دموع فرح بالفوز فقط، بل كانت رسالة وفاء. فقد رفع القائد البرتغالي القميص رقم 21 الخاص بزميله الراحل ديوغو جوتا، الذي توفي في حادث سير أليم قبل انطلاق العرس العالمي بعام واحد.
واجتمع كامل أعضاء المنتخب البرتغالي في صورة جماعية حول قميص جوتا، في إشارة إلى أن الفريق يلعب من أجل قضية إنسانية تتجاوز حدود الملعب. هذا التكاتف العاطفي يبدو أنه الوقود الذي يدفع البرتغال للمضي قدماً في البطولة، سعياً لتحقيق اللقب تكريماً لذكرى زميلهم.
الصحافة الرياضية أشادت بقدرة البرتغال على العودة، لكنها حذرت من الهشاشة الدفاعية التي ظهرت في فترات من المباراة. فالدفاع البرتغالي اهتز أكثر من مرة أمام حيوية كوفاتسيتش، ولولا العارضة وتدخلات كوستا لكان للنتيجة مسار آخر تماماً.
الآن، تتجه أنظار البرتغاليين نحو مدينة دالاس، حيث ينتظرهم صدام مرتقب أمام المنتخب الإسباني في الدور ربع النهائي. ستكون مواجهة خاصة للمدرب روبرتو مارتينيز أمام منتخب بلاده، في اختبار حقيقي لقدرة 'برازيل أوروبا' على الذهاب بعيداً في هذا المونديال الاستثنائي.
المصدر:
القدس