تواجه منطقة 'برك سليمان' الأثرية الواقعة جنوب مدينة بيت لحم تحديات جسيمة تهدد هويتها الفلسطينية، حيث تصاعدت في الآونة الأخيرة وتيرة الاقتحامات التي ينفذها المستوطنون للموقع. وتأتي هذه التحركات في ظل تهديدات علنية أطلقها قادة اليمين الإسرائيلي المتطرف للاستيلاء على هذه الواحة التاريخية وتحويلها إلى مزارات دينية يهودية.
تعد هذه البرك معلماً هندسياً فريداً يعود تاريخ إنشائه إلى أكثر من ألفي عام، وتحديداً خلال الحكم الروماني في عهد هيرودوس، حيث كانت تشكل المصدر الرئيس لتزويد مدينة القدس بالمياه. وتتألف المنطقة من ثلاث برك ضخمة منحوتة في الصخر، تحيط بها غابات كثيفة من أشجار الصنوبر والسرو التي تضفي طابعاً جمالياً وتاريخياً خاصاً.
على مر العصور، حظيت البرك باهتمام الحكام المسلمين، حيث قام السلطان العثماني سليمان القانوني بإعادة تأهيلها وترميم قنواتها المائية لضمان وصول المياه للقدس. وفي عام 1622، أمر السلطان مراد الرابع ببناء قلعة حصينة قبالة البرك لحمايتها من الهجمات وتأمين القوافل، مما عزز من مكانة الموقع كمركز استراتيجي وحضاري.
في تطور ميداني خطير، زار وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش الموقع مؤخراً برفقة قادة المستوطنات، معلناً عزمه السيطرة على البرك وطرد السلطة الفلسطينية منها. ووصف سموتريتش وجود السلطة في المنطقة بأنه 'خطأ تاريخي'، زاعماً أن الموقع يمثل تراثاً صهيونياً يجب استعادته ضمن ما أسماها 'الثورة الاستيطانية' في الضفة الغربية.
تخضع منطقة برك سليمان حالياً للسيطرة الفلسطينية الكاملة كونها تقع ضمن تصنيفات المنطقة (أ)، كما أن ملكية الأراضي تعود لوزارة الأوقاف والشؤون الدينية الفلسطينية. وتضم المنطقة حالياً مرافق سياحية وقصراً للمؤتمرات، وتستقبل سنوياً ما يقارب نصف مليون زائر، مما يجعلها ركيزة أساسية للسياحة الداخلية في محافظة بيت لحم.
تحاول التيارات الاستيطانية تزييف الحقائق التاريخية عبر نسبة البرك للملك سليمان، أحد ملوك بني إسرائيل، في محاولة لإيجاد رابط ديني يبرر السيطرة عليها. ورغم هذه الادعاءات، أكد خبراء آثار إسرائيليون، ومنهم مدير معهد الآثار في جامعة 'أريئيل'، عدم وجود أي صلة تاريخية بين الملك سليمان وهذه المنشآت المائية الرومانية.
من جانبه، شدد وكيل وزارة السياحة والآثار الفلسطينية، صالح طواشة، على أن الرواية الإسرائيلية مختلقة تماماً وتفتقر لأي أساس علمي أو مهني. وأوضح طواشة أن هذه المنشآت مرتبطة حصراً بالفترات الرومانية والمملوكية والعثمانية، وأن الهدف من الادعاءات الإسرائيلية هو نهب المقدرات الثقافية والحضارية للشعب الفلسطيني.
أشارت مصادر محلية إلى أن مستوطنة 'إفرات' الجاثمة على أراضي المواطنين بدأت بالتمدد الفعلي نحو الجبال المطلة على البرك، حيث نصبت بيوتاً متنقلة (كرفانات) لمراقبة المنطقة. وأصبح المستوطنون يضيقون الخناق على المتنزهين الفلسطينيين، في محاولة لفرض واقع جديد يمهد لعملية الضم الفعلي للموقع الأثري.
رداً على هذه التهديدات، تداعت مؤسسات فلسطينية في بيت لحم لعقد اجتماعات طارئة بهدف بلورة خطة عمل وطنية لإفشال مخططات سموتريتش. وتقرر تشكيل لجنة متابعة متخصصة لمواجهة الهجمة الاستعمارية، والعمل على تعزيز الوجود الشعبي الفلسطيني في المنطقة من خلال تكثيف الفعاليات السياحية والثقافية.
أوصت اللجنة بضرورة تفعيل المسارات الرسمية والاستراتيجية لتطوير المنطقة ودعم صمود المزارعين في الأراضي المحيطة بالبرك. وأكد المشاركون أن حماية 'برك سليمان' تتطلب جهداً تكاملياً بين الحكومة والمجتمع المحلي لضمان بقاء هذا المعلم التاريخي تحت السيادة الفلسطينية وحمايته من التهويد.
أقر وزير السياحة والآثار الفلسطيني، هاني الحايك، بوجود تحديات وصعوبات في حماية بعض المواقع الأثرية المعرضة للاستهداف، مؤكداً أن المسؤولية جماعية. ودعا الحايك إلى زيادة الاستثمارات السياحية في المنطقة وإقامة مرافق إضافية تجذب الزوار وتثبت الهوية العربية للمكان في وجه محاولات الطمس الإسرائيلية.
يرى مراقبون أن تصريحات سموتريتش قد تكون مرتبطة بحسابات انتخابية داخلية لكسب أصوات اليمين المتطرف، لكنها تظل خطيرة وقابلة للتنفيذ في ظل الحكومة الحالية. فالمخطط الإسرائيلي لا يستهدف الأرض فقط، بل يسعى لسرقة التاريخ وإعادة صياغة الرواية بما يخدم المشروع الاستيطاني التوسعي في الضفة الغربية.
تتجاوز سعة البرك الثلاث ربع مليون متر مكعب، وهي تمثل نظاماً مائياً معقداً حيث تصب البركة العليا في الوسطى ومن ثم في السفلية التي تعود للعصر المملوكي. ومع بداية الانتداب البريطاني عام 1919، تم استبدال القنوات الفخارية القديمة بمضخات معدنية، مما يعكس استمرارية استخدام الموقع عبر العصور المختلفة.
يبقى الصراع على 'برك سليمان' نموذجاً حياً لمعركة الرواية والهوية في فلسطين، حيث يسابق الفلسطينيون الزمن لتثبيت وجودهم في مواجهة آلة الاستيطان. وتظل هذه البرك شاهداً حياً على عراقة التاريخ الفلسطيني، وعصية على محاولات التزييف التي تسعى لتحويلها من واحة طبيعية إلى بؤرة استيطانية جديدة.
المصدر:
القدس