القدس - وفا- بلال غيث كسواني
في صباح الخامس والعشرين من آذار/مارس 2026، كانت جدارية "العيون" في حي بطن الهوى ببلدة سلوان تراقب المشهد بصمت. على بعد نحو 300 متر فقط من المسجد الأقصى، انتشرت قوات الاحتلال الإسرائيلي في أزقة الحي الضيقة، وأغلقت مداخله، ومنعت دخول الصحفيين والسكان. خلال ساعات، كانت شاحنات بلدية الاحتلال تفرغ منازل الفلسطينيين من محتوياتها، فيما تناثر الأثاث والمقتنيات الشخصية في الشوارع تحت أنظار أصحابها.
بالنسبة للعائلات التي أُجبرت على المغادرة في ذلك الصباح، لم يكن الأمر نزاعاً عقارياً عادياً أو قراراً قضائياً منفرداً. كان الفصل الأخير في معركة استمرت سنوات داخل المحاكم الإسرائيلية، وانتهت بفقدان منازل عاشوا فيها لعقود.
منذ مطلع عام 2026 وحتى نهاية نيسان/أبريل، أخلت سلطات الاحتلال 15 عائلة فلسطينية من منازلها في حي بطن الهوى، بعدما رفضت محكمة الاحتلال العليا استئنافات تقدمت بها 20 عائلة، بينها عائلات الرجبي والبصبوص.
وفي الوقت ذاته، شملت أوامر الإخلاء النهائية والقابلة للتنفيذ 22 وحدة سكنية، بينما تواجه 33 وحدة أخرى إخطارات تمهيدية وإجراءات قضائية قد تنتهي بالمصير ذاته. وبذلك يرتفع عدد الوحدات السكنية المهددة بالإخلاء في بطن الهوى إلى 55 وحدة سكنية.
ما يجري في بطن الهوى ليس حالة معزولة. ففي سلوان وحدها يواجه نحو 2200 فلسطيني خطر التهجير القسري، بينهم نحو 1500 شخص في حي البستان و700 آخرون في بطن الهوى. لكن هذه الأرقام ليست سوى جزء من صورة أكبر، تتجاوز حدود سلوان لتكشف عن منظومة متكاملة من السياسات القانونية والتخطيطية والاقتصادية التي تعيد تشكيل المشهد السكاني في القدس الشرقية منذ عقود.
يكشف هذا التحقيق كيف تتقاطع الإخلاءات وهدم المنازل وسياسات التخطيط العمراني وتسجيل الأراضي والضرائب الباهظة لتنتج واقعا جديدا في المدينة، يُضيّق الحيز المتاح للفلسطينيين ويعزز الوجود الاستيطاني، في مسار يصفه خبراء ومؤسسات حقوقية بأنه إعادة هندسة ديمغرافية تدريجية للقدس.
بطن الهوى... حين تتحول المحاكم إلى أداة اقتلاع
في الصباح ذاته، لم تكن العائلات الفلسطينية تخوض معركتها الأولى مع المحاكم. لسنوات طويلة تنقلت بين محاكم الاحتلال الابتدائية والمركزية والعليا، وقدمت وثائق ومستندات تثبت ملكيتها أو حقها في السكن، قبل أن تنتهي المعركة لصالح الجمعيات الاستيطانية.
يقول عضو لجنة الدفاع عن بطن الهوى يعقوب الرجبي، أحد أصحاب المنازل التي شملتها قرارات الإخلاء، إن العائلات أمضت سنوات طويلة في أروقة القضاء الإسرائيلي، وقدمت ما لديها من وثائق وإثباتات، إلا أن جميع تلك الإجراءات لم تمنع تنفيذ الإخلاءات.
ويضيف في لقاء خاص مع "وفا" أن ما يجري لا يمكن فهمه باعتباره نزاعاً عقارياً عادياً، بل هو جزء من سياسة تهدف إلى إفراغ الحي من سكانه الفلسطينيين وإحلال المستوطنين مكانهم، عبر استخدام روايات تاريخية تعود إلى أكثر من 150 عاما لإعادة فتح ملفات ملكية أغلقت منذ عقود.
ويشير الرجبي إلى أن كثيراً من العائلات لم تدرك في البداية حجم التعقيدات القانونية المحيطة بهذه القضايا، إلا بعد أن بدأت الجمعيات الاستيطانية باستخدام ثغرات مرتبطة بسجلات الملكية العثمانية لإعادة طرح دعاوى قديمة أمام المحاكم.
ويقول إن مئات العائلات أصبحت اليوم مهددة بفقدان منازلها نتيجة هذا المسار، بينما تتسارع وتيرة البت في القضايا مقارنة بما كانت عليه في السنوات السابقة.
بدوره، يرى أحد أصحاب المنازل التي شملتها قرارات الإخلاء نضال الرجبي أن القضية تجاوزت منذ زمن مسألة إثبات الملكية أو الحقوق القانونية. ويقول إن العائلات تمتلك وثائق رسمية تثبت حقوقها، لكن ميزان القوة داخل المحاكم يميل بصورة واضحة لصالح الجمعيات الاستيطانية، الأمر الذي يجعل نتائج القضايا شبه محسومة مسبقاً.
ويستذكر الرجبي اللحظات التي أعقبت تنفيذ قرار الإخلاء، قائلا إن العائلة فوجئت بدخول القوات إلى المنزل دون منحها الوقت الكافي لإخراج مقتنياتها، قبل أن تُنقل الممتلكات وتتعرض أجزاء منها للتلف والتكسير.
وبعد ذلك، فُرضت على العائلة تكاليف مالية إضافية مقابل استعادة ما تبقى من أثاثها ومقتنياتها المخزنة، في عملية يقول إنها حولت الإخلاء إلى سلسلة مستمرة من الضغوط حتى بعد فقدان المنزل نفسه.
ويذهب المواطن زهير الرجبي وهو أيضا أحد أصحاب المنازل التي شملتها قرارات الإخلاء، أبعد من ذلك، حين يصف ما يجري بأنه "سرقة بغطاء قانوني". فبحسب قوله، شهدت السنوات التي أعقبت عام 2023 تسارعا غير مسبوق في إصدار قرارات الإخلاء، حتى إن قضايا كانت تستغرق سنوات طويلة أصبحت تُحسم خلال أشهر قليلة فقط. ويؤكد أن المحاكم تجاهلت وثائق رسمية تثبت شراء فلسطينيين لأراضٍ من يهود يمنيين غادروا المنطقة قبل عقود، في حين قبلت مزاعم استيطانية تستند إلى روايات تاريخية أقدم.
أحد أصحاب المنازل التي شملتها قرارات الإخلاء رائد البصبوص، يقول إن ما يحدث اليوم يعيد إلى الأذهان تجربة عائلته الأولى مع التهجير. فالعائلة التي أُجبرت على مغادرة منزلها في القدس الغربية خلال نكبة عام 1948، واستقرت لاحقاً في سلوان بعد شراء الأرض بوثائق رسمية خلال الحكم الأردني، تجد نفسها اليوم أمام تهجير جديد.
يقول البصبوص إن عائلته تضم أطفالا وطلبة جامعات وأفرادا اضطروا بعد الإخلاء إلى التوزع على منازل الأقارب، في ظل غياب أي بديل سكني حقيقي. ويرى أن ما يجري لا يقتصر على خسارة منزل، بل يمتد إلى آثار اجتماعية ونفسية عميقة سترافق العائلة لسنوات طويلة.
في نظر الباحث المختص في شؤون القدس فخري أبو دياب، لا يمكن فصل ما يجري في بطن الهوى عن المشروع الاستيطاني الأوسع في سلوان. ويقول إن المنطقة تمثل جزءا أساسيا مما يعرف بـ"الحوض المقدس"، وهو مشروع استيطاني يهدف إلى إحاطة البلدة القديمة بحزام استيطاني متصل، عبر سلسلة من البؤر والمشاريع التي تستهدف تغيير الطابع الديمغرافي للمنطقة.
ويشير أبو دياب إلى أن سياسة التهجير لا تعتمد فقط على الإخلاءات المباشرة، بل تشمل أيضاً أدوات أخرى، من بينها هدم المنازل، ورفض تراخيص البناء، وفرض الغرامات، والتضييق الاقتصادي، ورفع أسعار العقارات، بما يجعل البقاء في المدينة أكثر صعوبة بالنسبة للفلسطينيين. ويضيف أن حي البستان المجاور يواجه بدوره مخططات قد تؤدي إلى تهجير مئات العائلات وتحويل أجزاء واسعة من أراضيه إلى مشاريع ومرافق تخدم المستوطنين.
وفي ظل هذه التطورات، جدد الاتحاد الأوروبي في بياناته المتعلقة بالأوضاع في سلوان معارضته للسياسات الاستيطانية الإسرائيلية في القدس الشرقية، معتبراً أن الإخلاءات القسرية والهدم والاستيلاء على المنازل تتعارض مع القانون الدولي، وتفاقم من معاناة السكان الفلسطينيين وتزيد من حدة التوتر في المدينة.
لكن بطن الهوى ليست سوى بداية القصة. فخلف كل عملية إخلاء تقف منظومة أوسع من السياسات التخطيطية والعمرانية التي جعلت التوسع الفلسطيني في القدس أكثر صعوبة من أي وقت مضى، ومهدت الطريق لواحدة من أكبر موجات هدم المنازل التي شهدتها المدينة خلال العقد الأخير.
مدينة تضيق على سكانها
بالنسبة لعائلات بطن الهوى، انتهت المعركة بقرار إخلاء. لكن بالنسبة لآلاف الفلسطينيين الآخرين في القدس، تبدأ الأزمة قبل ذلك بسنوات، حين يحاولون بناء منزل جديد أو توسيع منزل قائم لاستيعاب الزيادة الطبيعية في عدد أفراد الأسرة.
في مدينة يتزايد فيها عدد السكان الفلسطينيين باستمرار، يتقلص الحيز العمراني المتاح لهم بصورة متواصلة. وبينما يبدو مشهد الهدم أو الإخلاء هو الأكثر ظهوراً للعلن، يقول مختصون إن جذور المشكلة تبدأ في مرحلة أبكر بكثير، داخل خرائط التنظيم والبناء وسياسات التخطيط العمراني التي تحدد أين يمكن للفلسطيني أن يبني وأين لا يستطيع.
يرى الأكاديمي وأستاذ القانون الدولي في جامعة القدس منير نسيبة، أن تخطيط القدس الشرقية يمثل أحد أبرز أدوات التمييز التي استخدمت منذ احتلال المدينة عام 1967.
ويقول إن السلطات الإسرائيلية استولت على مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية لصالح إقامة المستوطنات والبنية التحتية المرتبطة بها، فيما أُعلنت مساحات أخرى تحت مسمى "مناطق خضراء" يمنع البناء فيها، بينما تُركت أراض إضافية دون تخطيط يسمح بالتطوير العمراني الفلسطيني.
ويشير نسيبة إلى أن النتيجة النهائية لهذه السياسات كانت حصر التطور السكني الفلسطيني في نحو 13% فقط من مساحة القدس الشرقية، وهي في معظمها المناطق التي كان الفلسطينيون يقيمون فيها أساسا قبل عام 1967. ويضيف أن هذه المساحة المحدودة لم تعد قادرة على استيعاب النمو السكاني الطبيعي، ما جعل الحصول على تراخيص بناء جديدة أمراً بالغ الصعوبة بالنسبة لمعظم العائلات المقدسية.
هذا الواقع دفع آلاف العائلات إلى البناء دون ترخيص، ليس بوصفه خيارا، بل باعتباره الحل الوحيد المتاح لتوفير السكن. غير أن هذه المنازل تتحول لاحقاً إلى أهداف مباشرة لأوامر الهدم والغرامات الباهظة، لتبدأ دائرة جديدة من الضغوط القانونية والاقتصادية.
ويؤكد نسيبة أن سياسة التخطيط لا يمكن فصلها عن المشروع الاستيطاني الأوسع، موضحاً أن السنوات الأخيرة شهدت تكثيفاً لما يُعرف بسياسة "الاستيطان في القلوب"، أي زرع بؤر استيطانية داخل الأحياء الفلسطينية المكتظة بدلا من الاكتفاء بالمستوطنات الكبيرة المحيطة بالمدينة. ويقول إن هذه السياسة تهدف إلى خلق واقع جغرافي وديمغرافي يجعل أي تقسيم مستقبلي للقدس أمرا بالغ الصعوبة.
ويستشهد بحيي بطن الهوى والشيخ جراح كنموذجين واضحين لهذه السياسة، حيث تُستخدم قوانين الملكية وقانون أملاك الغائبين والدعاوى العقارية لانتزاع منازل فلسطينية داخل أحياء قائمة، وتحويلها إلى بؤر استيطانية صغيرة تحظى بحماية أمنية دائمة، وتفرض واقعا جديدا داخل النسيج العمراني الفلسطيني.
من جهته، يرى المختص في الشأن الاستيطاني خليل التفكجي أن هذه السياسات ليست نتاج قرارات متفرقة، بل امتداد لإستراتيجية إسرائيلية بدأت منذ السنوات الأولى بعد احتلال القدس الشرقية.
ويقول إن الحكومات الإسرائيلية وضعت منذ بداية السبعينيات أهدافاً ديمغرافية واضحة تقوم على تقليص نسبة الفلسطينيين وزيادة الأغلبية اليهودية في المدينة. ولتحقيق ذلك، استخدمت سلسلة من القوانين والإجراءات، كان أبرزها الاستيلاء على الأراضي للمصلحة العامة، وقوانين التنظيم والبناء، والسيطرة على الأراضي والعقارات الفلسطينية.
وبحسب التفكجي، استولت حكومة الاحتلال على ما يزيد من 35% من مساحة القدس الشرقية بعد عام 1967، ووسعت حدود المدينة من نحو 6.5 كيلومترات مربعة إلى نحو 72 كيلومترا مربعا، على حساب أراضي أكثر من 28 قرية وبلدة فلسطينية، أقيمت فوق أجزاء واسعة منها 15 مستوطنة إسرائيلية.
ويضيف أن سياسة التخطيط العمراني فرضت قيودا إضافية على البناء الفلسطيني، سواء من خلال الحد من نسب البناء المسموح بها أو عبر إجراءات الترخيص الطويلة والمكلفة. ويشير إلى أن تكاليف الحصول على تراخيص البناء كانت تصل خلال العقود الماضية إلى عشرات آلاف الدولارات، فيما أصبحت اليوم أعلى من ذلك بكثير، الأمر الذي جعل الترخيص خيارا صعب المنال بالنسبة لغالبية السكان.
لكن آثار هذه السياسات لا تتوقف عند حدود البناء. فمع تزايد عدد السكان الفلسطينيين مقابل محدودية الأراضي المتاحة، ارتفعت أسعار العقارات بصورة حادة، وأصبحت أزمة السكن واحدة من أكبر التحديات التي تواجه العائلات المقدسية الشابة.
الباحث المختص في شؤون القدس فخري أبو دياب يقول إن القدس تحتاج إلى آلاف الوحدات السكنية الجديدة سنوياً لتلبية احتياجات سكانها، إلا أن القيود المفروضة على البناء تجعل تلبية هذه الاحتياجات شبه مستحيلة. ويضيف أن كثيرا من العائلات تجد نفسها مضطرة للانتقال إلى مناطق تقع خارج الجدار الفاصل، أو إلى مدن الضفة الغربية، بحثاً عن سكن أقل تكلفة وأكثر اتساعا.
وبالنسبة للباحثين في شؤون القدس، فإن هذه النتيجة ليست عرضا جانبيا للسياسات القائمة، بل جزء من تأثيرها المباشر. فحين يصبح الحصول على منزل مرخص أمرا شبه مستحيل، وعندما ترتفع أسعار الأراضي والشقق إلى مستويات تفوق قدرة معظم السكان، يتحول الانتقال خارج المدينة من خيار اقتصادي إلى مسار ديمغرافي يغيّر شكل القدس تدريجيا.
غير أن ضيق الحيز العمراني لا يمثل سوى مرحلة واحدة من هذه المنظومة. فالمنازل التي تُبنى دون ترخيص تتحول لاحقاً إلى أهداف للهدم، ومع مرور السنوات بدأت أرقام الهدم في القدس الشرقية ترتفع بوتيرة غير مسبوقة، لتكشف عن فصل آخر من فصول إعادة تشكيل المدينة.
البلدة القديمة.. تهجير متواصل واستهداف ممنهج للوجود الفلسطيني
منذ احتلال القدس الشرقية عام 1967، تنفذ سلطات الاحتلال الإسرائيلي سياسات ممنهجة تستهدف تهجير الفلسطينيين والاستيلاء على ممتلكاتهم في البلدة القديمة ومحيطها، ضمن مساعٍ لتغيير التركيبة السكانية وفرض واقع ديموغرافي جديد يخدم المشروع الاستيطاني. ففي الفترة الممتدة بين حزيران/ يونيو 1967 ونيسان/ أبريل 1968، هُجّر أكثر من 6500 فلسطيني قسرًا من البلدة القديمة لإفساح المجال أمام توسيع ما يسمى "الحي اليهودي". كما شهدت الأيام الأولى للاحتلال هدم حارة المغاربة بالكامل، حيث أُجبر نحو 1000 فلسطيني على مغادرة منازلهم بين عشية وضحاها، فيما تشير تقديرات أخرى إلى أن عدد المهجرين من الحارة بلغ نحو 6000 فلسطيني. ورغم مرور ما يقارب ستة عقود على احتلال القدس الشرقية، فإن سياسات التهجير لم تتوقف، إذ تشير تقديرات منظمة "عير عميم" إلى أن نحو 100 ألف فلسطيني لا يزالون يقيمون في "حوض البلدة القديمة"، وهي المنطقة الأكثر تعرضًا لسياسات الهدم والإخلاء والاستيطان.
وتواصل سلطات الاحتلال والجمعيات الاستيطانية استهداف الأحياء الفلسطينية داخل البلدة القديمة، ولا سيما الحيين الإسلامي والمسيحي، عبر أوامر الإخلاء والاستيلاء على العقارات. ففي تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، تسلمت أربع عائلات مقدسية في منطقة عقبة الخالدية أوامر بإخلاء منازلها تمهيدا لهدمها بذريعة أنها "غير صالحة للسكن"، بينما أكد السكان أن الهدف الحقيقي يتمثل في السيطرة على الحي وإقامة مشاريع استيطانية في محيط المسجد الأقصى. وتصاعدت هذه الإجراءات في أيار/ مايو 2026 مع الإعلان عن مخطط استيطاني جديد وصفته محافظة القدس بأنه "تصعيد استعماري خطير يستهدف قلب البلدة القديمة"، ويقضي بإخلاء سكان 50 مبنى تضم منازل ومحلات تجارية في منطقة باب السلسلة الملاصقة للمسجد الأقصى، والاستيلاء عليها لصالح المستوطنين، في خطوة تعد الأكبر من نوعها داخل البلدة القديمة منذ احتلالها عام 1967.
وتقود الجمعيات الاستيطانية، وفي مقدمتها "عطيرت كوهانيم"، جهود الاستيلاء على العقارات الفلسطينية داخل البلدة القديمة، من خلال شراء العقارات بطرق ملتوية أو السيطرة عليها عبر محاكم الاحتلال، في إطار استراتيجية تهدف إلى خلق تواصل استيطاني داخل الأحياء الفلسطينية. ووفق معطيات منشورة، فقد تمكنت الجمعية حتى عام 2018 من السيطرة على 21 بناية في شارع طريق الواد وحده، بينما تواصل توسيع نفوذها في الأحياء الإسلامية والمسيحية، بما يعمق سياسة التهجير القسري ويهدد الوجود الفلسطيني التاريخي في قلب مدينة القدس.
القدس التي تجبر على هدم نفسها
إذا كانت قرارات الإخلاء في بطن الهوى تمثل الوجه الأكثر وضوحا لسياسة التهجير، فإن هدم المنازل يشكل الوجه الأكثر اتساعا واستمرارا لها. فبعيداً عن القضايا العقارية المعقدة والمحاكم، تواجه آلاف العائلات المقدسية معركة مختلفة تبدأ غالباً بورقة إخطار معلقة على جدار منزل، وتنتهي أحياناً بجرافة تهدم البيت أو بصاحبه وهو يهدمه بنفسه.
تكشف البيانات التي جمعتها جمعية "عير عميم"، والتي تابعت عمليات الهدم في القدس الشرقية على مدار ثماني سنوات متواصلة بين عامي 2018 و2025، عن تصاعد دراماتيكي في وتيرة الهدم، خصوصاً خلال العامين الأخيرين. فقد بلغ إجمالي المباني التي هُدمت خلال هذه الفترة أكثر من 1600 مبنى، تنوعت بين منازل سكنية ومحال تجارية ومنشآت مختلفة ومبانٍ قيد الإنشاء.
وتظهر الأرقام مساراً تصاعدياً واضحاً. ففي عام 2018 سُجل هدم 193 مبنى، وارتفع العدد إلى 216 مبنى عام 2019، ثم انخفض إلى 179 مبنى عام 2020، قبل أن يعود للارتفاع إلى 204 مبانٍ عام 2021. وفي عام 2022 سُجل 129 مبنى مهدوماً، وهو الرقم الأدنى خلال السنوات الثماني، لكن المنحنى عاد للارتفاع سريعاً إلى 200 مبنى عام 2023، ثم إلى 249 مبنى عام 2024، ليبلغ ذروته في عام 2025 مع هدم 284 مبنى، وهو أعلى رقم سُجل خلال الفترة كلها.
لكن خلف هذه الأرقام العامة تختبئ صورة أكثر قسوة. فالمنازل السكنية كانت الهدف الرئيسي لعمليات الهدم. وتشير بيانات "عير عميم" إلى أن عام 2024 كان الأكثر قسوة على العائلات المقدسية، إذ هُدم خلاله 181 منزلاً سكنياً، بمعدل منزل واحد كل يومين تقريباً. وجاء عام 2025 في المرتبة الثانية مع هدم 148 منزلاً سكنياً، فيما شهد عام 2023 هدم 131 منزلاً، وعام 2021 هدم 125 منزلا.
ولا يقتصر الأمر على المنازل المأهولة فقط. فالمباني قيد الإنشاء كانت هي الأخرى هدفاً متكرراً لعمليات الهدم. ففي عام 2021 هُدم 70 مبنى قيد الإنشاء، وهو أعلى رقم خلال السنوات الثماني، تلاه عام 2023 مع هدم 64 مبنى، ثم عام 2020 بـ62 مبنى، وعام 2024 بـ54 مبنى. وتعتبر منظمات حقوقية أن استهداف المباني قبل اكتمالها يعكس سياسة لا تقتصر على إزالة البناء القائم، بل تستهدف أيضاً منع أي توسع عمراني فلسطيني مستقبلي داخل المدينة.
حين يهدم المقدسي منزله بيده
لكن الظاهرة الأكثر تعبيراً عن حجم الضغوط التي يواجهها الفلسطينيون في القدس هي ما يعرف بـ"الهدم الذاتي". فبدلا من انتظار الجرافات ودفع تكاليف الهدم التي تفرضها بلدية الاحتلال، يضطر أصحاب المنازل إلى هدم بيوتهم بأنفسهم لتجنب غرامات إضافية قد تصل إلى عشرات آلاف الشواقل.
وتظهر بيانات "عير عميم" أن هذه الظاهرة تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى جزء ثابت من المشهد المقدسي. فقد سجل عام 2021 أعلى عدد من حالات الهدم الذاتي بواقع 131 حالة، سبقه عام 2020 بـ122 حالة، ثم عام 2024 بـ118 حالة، وعام 2025 بـ113 حالة. وبمعنى آخر، أصبح واحد من كل أربعة مبان تقريبا يُهدم في القدس خلال السنوات الأخيرة يُهدم على يد صاحبه نفسه.
لا تبدو هذه الأرقام مجرد إحصاءات بالنسبة للعائلات التي تعيشها. فكل عملية هدم ذاتي تعني أن صاحب المنزل اضطر إلى تحطيم المكان الذي بناه بماله وجهده، غالباً أمام أفراد أسرته وأطفاله، لتفادي خسائر أكبر قد تفرضها عليه السلطات لاحقاً.
سلوان... مركز العاصفة
عند الانتقال من الأرقام العامة إلى الخريطة، تظهر سلوان بوصفها المنطقة الأكثر تعرضاً للهدم في القدس الشرقية.
ففي عام 2024 وحده هُدم في البلدة 68 مبنى، بينها 50 منزلاً سكنياً. وفي عام 2025 هُدم 66 مبنى آخر، بينها 56 منزلاً سكنياً، وهو رقم غير مسبوق في تاريخ البلدة.
ولم تتوقف عمليات الهدم عند المنازل المأهولة، إذ شهد حي البستان وحده هدم 46 مبنى بين عامي 2023 و2025، منها 37 مبنى سكنياً، في الفترة التي أعقبت حرب تشرين الأول/أكتوبر 2023 مباشرة.
أما جبل المكبر، فقد تحول إلى ما تصفه البيانات بـ"عاصمة الهدم الذاتي" في القدس. ففي عام 2020 وحده هدم السكان 54 مبنى بأيديهم، وهو أعلى رقم يسجل في أي حي مقدسي خلال أي سنة من سنوات الرصد. كما سُجل هدم ذاتي لـ29 مبنى عام 2023، و25 مبنى عام 2024، و18 مبنى عام 2025. وخلال الفترة نفسها بلغ إجمالي المباني المهدومة في الحي 75 مبنى عام 2020، و42 مبنى عام 2023، و34 مبنى عام 2024.
وفي بيت حنينا، التي تحظى بحضور أقل في التغطية الإعلامية مقارنة بسلوان، سُجل هدم 31 مبنى عام 2023، و38 مبنى عام 2024، و15 مبنى عام 2025. والأكثر دلالة أن الحي شهد هدم 24 مبنى قيد الإنشاء عام 2023، و25 مبنى آخر عام 2024، ما يشير إلى تركيز واضح على منع التوسع العمراني الجديد.
أما العيسوية، فسجلت هدم 33 مبنى عام 2021، ثم 15 مبنى عام 2024، لترتفع مجدداً إلى 27 مبنى عام 2025، فيما شهدت شعفاط واحدة من أكثر موجات الهدم كثافة عندما هُدم 43 مبنى خلال شهر آب/أغسطس 2020 وحده.
وتشير بيانات الجمعية أيضاً إلى اتساع رقعة الاستهداف خلال السنوات الأخيرة، مع دخول أحياء ومناطق جديدة إلى خريطة الهدم، بينها بئر أيوب، وبطن الهوى، ووادي الربابة، وكرم الشيخ، وهي مناطق كانت تُعد سابقاً أقل عرضة لمثل هذه الإجراءات.
من الإخلاء إلى الهدم... نمط واحد
بالنسبة لجمعية "عير عميم"، فإن ما يجري في سلوان، سواء في بطن الهوى أو حي البستان، لا يمكن النظر إليه باعتباره أحداثاً منفصلة. فالتسارع في أوامر الإخلاء وارتفاع وتيرة الهدم يشكلان، بحسب الجمعية، جزءا من سياسة متسارعة تؤثر بصورة مباشرة على الوجود الفلسطيني في القدس الشرقية، وتحد من قدرة السكان على البقاء في أحيائهم.
وتحذر الجمعية من أن استمرار الاتجاهات الحالية قد يؤدي خلال سنوات قليلة إلى تغييرات واسعة في البنية السكانية لبعض الأحياء الفلسطينية، خصوصاً في المناطق المحيطة بالبلدة القديمة، حيث يترافق الضغط على السكان مع توسع متزايد لنشاط الجمعيات الاستيطانية.
لكن الهدم والإخلاء لا يجيبان وحدهما عن السؤال الأكبر: كيف يمكن نقل ملكية الأرض نفسها؟ وكيف تتحول عقارات عاش فيها الفلسطينيون لعقود إلى أملاك قابلة للاستيلاء أو إعادة التسجيل؟
هنا تبدأ معركة أخرى أكثر تعقيدا وأقل ظهورا من الجرافات... معركة الطابو وتسوية الأراضي.
من يملك القدس؟
إذا كانت الإخلاءات تهدد الساكن، والهدم يستهدف المنزل، فإن ملف تسوية الأراضي وتسجيل الملكيات يمس السؤال الأكثر حساسية، من سيملك القدس في المستقبل؟
خلال العقود الماضية، ظل جزء كبير من أراضي القدس الشرقية خارج نظام التسجيل الرسمي النهائي، نتيجة تعقيدات تاريخية وقانونية تعود إلى العهد العثماني والإدارة الأردنية، ثم إلى احتلال المدينة عام 1967. لكن السنوات الأخيرة شهدت تسارعاً في مشاريع تسوية الأراضي وإعادة تسجيل الملكيات، وهي عملية تبدو للوهلة الأولى إدارية وتنظيمية، لكنها تحولت إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل بين الفلسطينيين والخبراء القانونيين.
الأكاديمي والباحث في الشؤون المقدسية خالد عودة الله، يرى أن ما يجري لا يمكن فصله عن منظومة أوسع لإعادة تشكيل المدينة. ويقول إن إعادة تفعيل مشاريع تسجيل الأراضي، بعد عقود من التجميد، جاءت ضمن ما تسميه السلطات الإسرائيلية "إنفاذ السيادة"، لكنها في الواقع تفتح الباب أمام إعادة فحص ملكيات عاش الفلسطينيون فوقها لعشرات السنين، وإعادة تعريف أصحاب الحقوق فيها.
ويشير إلى أن الخطر لا يكمن في مبدأ التسجيل نفسه، بل في البيئة القانونية التي تتم فيها العملية. فالكثير من العائلات المقدسية تعتمد على وثائق قديمة، أو عقود بيع ووراثة تعود لعقود طويلة، فيما تتطلب إجراءات التسجيل الحديثة إثباتات ووثائق تفصيلية قد لا تكون متوفرة لدى الجميع، ما يجعل آلاف الدونمات عرضة للنزاعات أو للاعتراضات القانونية.
73% من الأراضي خارج التسوية
تكشف معطيات منظمة "بيماكوم" الإسرائيلية أن صورة الملكية في القدس الشرقية أكثر تعقيداً مما تبدو عليه.
فبحسب المنظمة، كان نحو 73% من أراضي القدس الشرقية غير مسواة حتى عام 2018، فيما كانت 16% من الأراضي في مراحل تسوية مختلفة، بينما لم تتجاوز الأراضي المسجلة والمسواة بالكامل 11% فقط. ومنذ استئناف مشاريع التسوية عام 2018 وحتى عام 2025، جرى تسجيل نحو 2300 دونم فقط.
هذه الأرقام تعني أن الجزء الأكبر من الأراضي الفلسطينية ما زال عرضة لإجراءات إعادة الفحص والتسجيل، وهو ما يمنح هذه العملية أهمية استثنائية في تحديد مستقبل الملكية داخل المدينة.
وتظهر بيانات "بيماكوم" أيضا أن توزيع الملكيات في القدس الشرقية خلال الفترة بين 2018 و2025 جاء على النحو التالي: 46% ملكيات حكومية ومؤسساتية، و36% أحياء إسرائيلية وبنية تحتية، 9% أراض غير محسومة الملكية، 4% ملكية فلسطينية خاصة، 4% ملكية يهودية خاصة وتجارية، 1% ملكيات كنسية.
ويعتبر خبراء أن هذه الأرقام تعكس حجم التحولات التي طرأت على خريطة الملكية منذ احتلال القدس الشرقية، خصوصاً في ظل الاستيلاء على مساحات واسعة من الأراضي لصالح المشاريع الاستيطانية.
من المصادرة إلى السيطرة
يعود التفكجي يؤكد أن إسرائيل لم تعتمد على أداة واحدة للسيطرة على الأراضي في القدس، بل على مجموعة متراكمة من القوانين والإجراءات.
فبعد احتلال القدس الشرقية عام 1967، جرى توسيع حدود المدينة من نحو 6.5 كم مربع إلى 72 كيلومترا مربعا، على حساب أراضي أكثر من 28 قرية وبلدة فلسطينية. وفي السنوات اللاحقة استولى الاحتلال على أكثر من 35% من مساحة القدس الشرقية تحت بند "المصلحة العامة"، قبل أن تتحول أجزاء واسعة منها إلى مستوطنات وبنى تحتية إسرائيلية.
ويشير التفكجي إلى أن السيطرة على الأرض لم تتوقف عند المصادرة المباشرة "الاستيلاء"، بل امتدت إلى قوانين أخرى مثل قانون أملاك الغائبين، وقانون أملاك اليهود في القدس الشرقية، وقوانين تتعلق بالإرث والملكية، جميعها استخدمت لإعادة تشكيل خريطة الملكية في المدينة.
أما الأكاديمي منير نسيبة، يرى أن استخدام هذه الأدوات القانونية سمح بتحويل الصراع في القدس من قضية سياسية واضحة إلى نزاعات عقارية وقانونية معقدة. ويقول إن ما يبدو أمام الرأي العام العالمي على أنه خلاف حول وثائق ملكية أو تسجيل أراض، يخفي في جوهره صراعا على السيادة والوجود داخل المدينة.
تفتيت الأحياء الفلسطينية
لكن قضية الملكية لا تتعلق فقط بمن يملك قطعة الأرض، بل أيضاً بكيفية إعادة تشكيل الفضاء العمراني المحيط بها.
ويقول التفكجي إن إسرائيل اتبعت خلال العقود الماضية سياسة تقوم على مرحلتين متوازيتين: الأولى تطويق الأحياء الفلسطينية بالمستوطنات، والثانية اختراق هذه الأحياء عبر إنشاء بؤر استيطانية داخلها.
وبحسب قوله، فإن النتيجة كانت تفتيت التواصل الجغرافي بين الأحياء الفلسطينية، وتحويلها إلى جيوب منفصلة تحيط بها المستوطنات والطرق الالتفافية والبنية التحتية الإسرائيلية. ويشير إلى أن هذا النمط يظهر بوضوح في سلوان والشيخ جراح وبيت صفافا وأحياء أخرى شهدت توسعا استيطانيا متزايدا خلال السنوات الأخيرة.
ويضيف أن السيطرة على الأرض لا تتم فقط عبر القوانين، بل أيضا عبر خلق وقائع ميدانية تجعل استعادة هذه الأراضي أو إعادة تنظيمها مستقبلاً أكثر صعوبة، إن لم تكن مستحيلة.
محافظة القدس: العام الحالي شهد عمليات هدم وتهجير غير مسبوقة
تواصل محافظة القدس، من خلال تقاريرها الدورية، توثيق سياسات التهجير القسري ونقل السكان والاستيلاء على الأراضي التي تنفذها سلطات الاحتلال في المدينة، ورصد آثارها على الواقع الديمغرافي والعمراني في القدس.
ويؤكد مستشار محافظ القدس معروف الرفاعي، أن المعطيات التي وثقتها المحافظة خلال النصف الأول 2026 تُظهر تصعيدًا غير مسبوق في السياسات الإسرائيلية الهادفة إلى إعادة تشكيل الواقع الديمغرافي في المدينة، عبر منظومة متكاملة من الأدوات القانونية والإدارية والاقتصادية والميدانية، وليس من خلال إجراءات منفصلة أو أحداث متفرقة.
ويوضح الرفاعي أن التقرير الدوري للمحافظة وثّق خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2026 تنفيذ (288) عملية هدم وتجريف، وهو أعلى معدل يُسجل خلال السنوات الست الأخيرة، بينها (198) عملية هدم مباشر نفذتها سلطات الاحتلال و(66) حالة هدم قسري ذاتي اضطر خلالها المواطنون إلى هدم منازلهم تجنبًا للغرامات الباهظة. كما رصد التقرير إصدار (762) قرار إبعاد، و(31) قرار حبس منزلي، و(10) قرارات منع سفر، إضافة إلى توثيق (89) مخططًا ومشروعًا استيطانيًا شملت آلاف الوحدات الاستيطانية الجديدة، بما يعكس تصاعدًا في أدوات السيطرة على الأرض والسكان.
ويضيف أن محافظة القدس لا تنظر إلى هذه المؤشرات بوصفها أحداثا منفصلة، بل باعتبارها مكونات لسياسة متكاملة تستهدف تقليص الوجود الفلسطيني في المدينة مقابل توسيع المشروع الاستيطاني. فعمليات الهدم تتزامن مع التوسع الاستيطاني، وقرارات الإبعاد تترافق مع القيود المفروضة على البناء والإقامة، فيما تُستخدم الضرائب البلدية، وعلى رأسها "الأرنونا"، والغرامات وسياسات الترخيص، كوسائل ضغط اقتصادي تستنزف قدرة المقدسيين على الصمود والبقاء. كما أن ما يُطرح أحيانًا باعتباره "منازعات ملكية" لا يمكن فصله عن هذا السياق، إذ تتحول في كثير من الحالات إلى أدوات قانونية تُستخدم لفرض الإخلاء وإعادة توزيع السيطرة على العقارات بما يخدم أهدافًا ديمغرافية بعيدة المدى.
وفيما يتعلق بالاستيلاء على الأراضي، يشير الرفاعي إلى أن محافظة القدس رصدت، خلال الفترة الممتدة من الربع الأول من عام 2025 وحتى منتصف عام 2026، الاستيلاء على أكثر من (1,398) دونما من أراضي المحافظة، إلى جانب المصادقة على سبعة مخططات استيطانية جديدة. كما وثقت استمرار تنفيذ مشاريع استيطانية كبرى، أبرزها مخطط "إي 1"، الذي يهدد نحو (7,000) فلسطيني في (22) تجمعا ببادية القدس بالتهجير القسري، إضافة إلى مخطط استيطاني في منطقة باب السلسلة داخل البلدة القديمة يستهدف إخلاء (50) مبنى، تضم منازل ومحالا تجارية، لصالح المستوطنين، في خطوة وصفها الرفاعي بأنها "تصعيد استعماري خطير يستهدف قلب البلدة القديمة".
ولفت إلى أن سلطات الاحتلال تواصل أيضًا تنفيذ عمليات الإخلاء المباشر، مستشهدا بإخلاء أربع عائلات مقدسية من منطقة عقبة الخالدية في البلدة القديمة خلال شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2025، في إطار سياسة ممنهجة تهدف إلى السيطرة على الحي وإقامة مشاريع استيطانية في محيط المسجد الأقصى.
وأكد الرفاعي أن قراءة نتائج النصف الأول من عام 2026 تُظهر انتقال سلطات الاحتلال إلى مرحلة أكثر كثافة في استخدام أدواتها، حيث لم يعد الاعتماد مقتصرا على الإجراءات القانونية والإدارية، بل باتت تُستخدم بالتوازي مع الهدم، والاستيلاء علىالأراضي، والتوسع الاستيطاني، والضغوط الاقتصادية، بما يفرض وقائع جديدة على الأرض ويؤثر بصورة مباشرة في البنية السكانية للقدس.
الاستيلاء على 23 ألف دونم
وتشير بيانات "بيماكوم" إلى أن نحو 23 ألف دونم من أراضي القدس الشرقية تم الاستيلاء عليها بعد عام 1967 لصالح إقامة أحياء استيطانية ومشاريع بنية تحتية إسرائيلية.
وتوضح المنظمة أن القدس الشرقية تبلغ مساحتها نحو 72 ألف دونم، وأن الأحياء الفلسطينية داخلها كانت تمتد عند ضم المدينة عام 1967 على مساحة تقارب 49 ألف دونم، وكان يسكنها آنذاك نحو 69 ألف فلسطيني شكلوا 26% من سكان القدس. لكن ما تغير خلال العقود التالية لم يكن فقط شكل الأرض، بل أيضاً طبيعة السيطرة عليها.
فمع كل عملية تسجيل جديدة، وكل دعوى ملكية، وكل مشروع استيطاني، تعاد كتابة خريطة الملكية داخل القدس بصورة تدريجية. وبينما تبدو هذه العملية قانونية وإدارية في ظاهرها، يرى خبراء أنها تشكل أحد أهم الأدوات المستخدمة لإعادة تشكيل المدينة على المدى الطويل.
غير أن السيطرة على الأرض وحدها لا تكفي لتغيير الواقع الديمغرافي. فحتى الفلسطيني الذي يحتفظ بمنزله وهويته وملكيته، يجد نفسه أمام معركة يومية أخرى: معركة البقاء اقتصادياً داخل مدينة ترتفع فيها تكاليف الحياة عاماً بعد عام.
وهنا تظهر أداة أخرى أقل صخبا من الجرافات والمحاكم، لكنها لا تقل تأثيراً عنه" ضريبة الأرنونا".
الأرنونا (الضريبة)... التهجير بالفواتير
في القدس، لا تبدأ معركة البقاء دائماً بأمر هدم أو قرار إخلاء. أحياناً تبدأ بورقة ضريبية تصل إلى صندوق البريد.
بالنسبة لآلاف الفلسطينيين في المدينة، تحولت ضريبة "الأرنونا" خلال السنوات الأخيرة من رسم بلدي إلى عبء اقتصادي متصاعد، يرى حقوقيون ومختصون أنه بات جزءاً من منظومة أوسع تدفع السكان تدريجياً إلى مغادرة المدينة.
يقول مدير الوحدة القانونية في مؤسسة "سانت إيف" المختصة بالدفاع عن حقوق الفلسطينيين في القدس الشرقية المحامي هيثم الخطيب، إن الأرنونا لم تعد مجرد ضريبة بلدية عادية، بل أصبحت أحد أبرز أدوات الضغط الاقتصادي على العائلات المقدسية.
ويشير إلى أن المقدسي يواجه أصلا أزمة سكن خانقة، حيث تصل أجرة الشقق في بعض المناطق إلى نحو 8 آلاف شيقل شهريا، تضاف إليها الضرائب المرتفعة وتكاليف المعيشة المتزايدة، في وقت تبقى فيه الخدمات البلدية المقدمة للأحياء الفلسطينية أدنى بكثير من تلك المقدمة للأحياء اليهودية.
ويقول إن النتيجة الطبيعية لهذه المعادلة هي دفع مزيد من العائلات إلى البحث عن بدائل سكنية خارج حدود المدينة، أو خلف الجدار الفاصل، حيث تكون كلفة الحياة أقل نسبياً.
من 3 آلاف إلى 12 ألف شيقل
لكن التغيير الأبرز ظهر خلال عامي 2025 و2026.فبحسب الخطيب، أعادت بلدية الاحتلال تصنيف عدد من الأحياء الفلسطينية إلى الفئة الضريبية الأعلى "أ"، وهو ما أدى إلى ارتفاع قيمة الأرنونا بصورة حادة في بعض المناطق.
ويشير إلى أن بعض العقارات التي كانت تدفع نحو 3 آلاف شيقل سنوياً أصبحت مطالبة بدفع ما يصل إلى 12 ألف شيقل سنويا، فيما ارتفعت قيمة الضريبة في بعض المناطق من 45 شيقلا للمتر المربع إلى نحو 120 شيقلا للمتر. وفي بعض الحالات، طُبقت هذه التعديلات بأثر رجعي، الأمر الذي راكم على السكان ديونا إضافية بمبالغ كبيرة.
وشملت هذه التغييرات مناطق مثل كفر عقب وضاحية السلام، وهما منطقتان تقعان خلف جدار الفصل والتوسع العنصري، وتعدان من أكثر المناطق اكتظاظا بالسكان الفلسطينيين في القدس.
بالنسبة للسكان، لا يتعلق الأمر فقط بزيادة ضريبية، بل بتضاعف مفاجئ في كلفة البقاء داخل المدينة.
خلف الجدار... ضرائب بلا خدمات
لسنوات طويلة، امتنعت بلدية الاحتلال عن جباية الأرنونا بصورة منتظمة من بعض المناطق الواقعة خلف الجدار، مثل كفر عقب ومخيم شعفاط.
لكن خلال السنوات الأخيرة، بدأت البلدية بفرض الجباية بصورة أوسع، وأعادت تصنيف هذه المناطق إلى شرائح ضريبية أعلى، رغم استمرار الشكاوى من ضعف البنية التحتية والخدمات العامة فيها.
ويقول الخطيب إن المفارقة تكمن في أن السكان يدفعون اليوم ضرائب أعلى مقابل خدمات لا تتناسب مع حجم ما يدفعونه.
ففي الوقت الذي تعاني فيه هذه المناطق من أزمات مزمنة في الطرق والنظافة والصرف الصحي والتنظيم العمراني، يجد السكان أنفسهم مطالبين بدفع مبالغ متزايدة عاماً بعد عام.
الضريبة التي تتحول إلى ملف أمني
لكن ما يجعل الأرنونا مختلفة عن بقية الضرائب هو ارتباطها المباشر بقضية الإقامة في القدس. ففي كثير من الحالات، لا يحتفظ المقدسي بإيصالات دفع الأرنونا لأنها مجرد إثبات مالي، بل لأنها تتحول إلى وثيقة قانونية يستخدمها أمام وزارة الداخلية الإسرائيلية لإثبات أن "مركز حياته" ما زال داخل حدود القدس.
ويعني ذلك أن الإيصالات وفواتير الكهرباء والمياه وعقود الإيجار تتحول إلى جزء من معركة الحفاظ على الإقامة.
فإذا انتقل المقدسي للسكن خارج المدينة، أو فشل في إثبات أن مركز حياته داخل حدودها البلدية، يصبح معرضا لخطر فقدان حق الإقامة.
ويقول المحامي مدحت ديبة إن سياسة "مركز الحياة" كانت من أكثر الأدوات تأثيراً على الواقع الديمغرافي في القدس خلال العقود الماضية، إذ أدت إلى سحب هويات وإقامات آلاف الفلسطينيين الذين اضطروا للسكن خارج المدينة بسبب الأوضاع الاقتصادية أو أزمة السكن.
ويضيف أن الفلسطيني الذي يغادر القدس بحثا عن منزل أرخص أو حياة أقل كلفة، قد يجد نفسه بعد سنوات أمام خطر فقدان حقه في الإقامة، ليتحول الانتقال المؤقت إلى نوع من التهجير الدائم.
بين المنزل والهوية
ولا تتوقف آثار الأرنونا عند حدود الضريبة نفسها.ففي حال تراكم الديون، تمتلك البلدية صلاحيات واسعة تشمل الحجز على الحسابات البنكية، أو الممتلكات، أو الأثاث، وقد تصل الإجراءات في بعض الحالات إلى الحجز على العقار نفسه. كما أدت الضرائب المرتفعة خلال السنوات الماضية إلى إغلاق مئات المحال التجارية في البلدة القديمة ومحيطها، بحسب مؤسسات حقوقية مقدسية.
لهذا يرى الخطيب أن الأرنونا أصبحت جزءاً من منظومة متكاملة تستخدم أدوات الاقتصاد والقانون والتخطيط معاً لإعادة تشكيل الوجود الفلسطيني داخل القدس.
فهي من جهة ترفع تكلفة البقاء داخل المدينة، ومن جهة أخرى تتحول إلى شرط لإثبات الإقامة فيها.وبين هذين الحدين، يجد كثير من المقدسيين أنفسهم أمام معادلة قاسية: البقاء يعني دفع تكاليف متزايدة باستمرار، والمغادرة قد تعني خسارة حقهم القانوني في المدينة.
لكن الأرنونا ليست سوى أداة واحدة ضمن منظومة أوسع. فعندما توضع الإخلاءات والهدم والتخطيط العمراني وتسجيل الأراضي والضرائب في صورة واحدة، تظهر ملامح التحول الديمغرافي الذي شهدته القدس خلال العقود الأخيرة بصورة أوضح.
وفي الأرقام السكانية وخرائط الملكية والهدم، تتجلى الصورة الكاملة للهندسة السكانية التي تعيد تشكيل المدينة بيتاً بعد بيت، وحيّاً بعد حيّ.
الهندسة السكانية بالأرقام
على امتداد هذا التحقيق، ظهرت أدوات متعددة تبدو للوهلة الأولى منفصلة عن بعضها: إخلاءات في سلوان، هدم منازل في جبل المكبر والعيسوية، تسوية أراضٍ، ضرائب متصاعدة في كفر عقب ومخيم شعفاط، وتعقيدات متزايدة في الحصول على تراخيص البناء. لكن عند جمع هذه الملفات في صورة واحدة، تظهر ملامح التحول الديمغرافي الذي شهدته القدس خلال العقود الأخيرة بصورة أكثر وضوحاً.
تشير بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) إلى أن سلطات الاحتلال هدمت منذ كانون الثاني/يناير 2009 وحتى 28 نيسان/أبريل 2026 ما مجموعه 2596 منشأة فلسطينية في القدس الشرقية، شملت منازل ومنشآت زراعية وتجارية ومرافق مختلفة. ونتيجة لذلك، تأثر 143,982 فلسطينياً بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
وتكشف البيانات أيضا عن تصاعد ظاهرة الهدم الذاتي، التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أبرز مظاهر الضغط على السكان. فبين عامي 2010 و2025 سُجل هدم 762 منشأة ذاتياً، بينها 104 منشآت خلال عام 2025 وحده.
ولا تقتصر التحولات على ملف الهدم فقط، بل تمتد إلى الجغرافيا والملكية والسكن. فبحسب معطيات منظمة "بماكوم"، تبلغ مساحة القدس الشرقية نحو 72 ألف دونم، وتم الاستيلاء بعد عام 1967 على نحو 23 ألف دونم لصالح إقامة أحياء استيطانية ومشاريع بنية تحتية إسرائيلية. وعند ضم القدس الشرقية كان عدد الفلسطينيين فيها يقارب 69 ألف نسمة، يشكلون نحو 26% من سكان المدينة، ويقطنون في نحو 12 ألف وحدة سكنية.
أما اليوم، فقد تغيرت صورة المدينة بصورة كبيرة. إذ يعيش في القدس نحو 391,400 فلسطيني يشكلون قرابة 40% من السكان، مقابل 246,100 إسرائيلي يقيمون في القدس الشرقية و343,200 إسرائيلي في الجزء الغربي من المدينة.
لكن التفاوت يظهر بصورة أوضح عند النظر إلى قطاع الإسكان. ففي عام 2023 بلغ عدد الوحدات السكنية المخصصة للإسرائيليين في القدس الشرقية 121,700 وحدة، إضافة إلى 62,250 وحدة في القدس الغربية، بينما بلغ عدد الوحدات السكنية الفلسطينية 65,350 وحدة فقط. أي أن الفلسطينيين الذين يشكلون نحو 40% من سكان المدينة يملكون ما يقارب ربع الوحدات السكنية فقط.
عند قراءة هذه الأرقام إلى جانب ملفات الإخلاء والهدم والتخطيط والضرائب، يرى خبراء أن ما يجري لا يمكن اختزاله في نزاعات عقارية أو إجراءات بلدية منفصلة، بل يشكل عملية متراكمة تعيد رسم العلاقة بين السكان والأرض والمدينة نفسها.
فالإخلاء يخرج العائلة من منزلها، والهدم يمنع توسعها، والضرائب ترفع كلفة بقائها، وتسوية الأراضي تعيد فحص ملكيتها، بينما تضيّق سياسات التخطيط الحيز المتاح لها. وفي النهاية، تنتج هذه الأدوات مجتمعة واقعاً ديمغرافياً مختلفاً عن ذلك الذي كان قائماً قبل عقود.
المدينة التي تغادر أبناءها ببطء
في بطن الهوى، حيث بدأت قصة هذا التحقيق، لم تكن العائلات التي أخرجت من منازلها في صباح آذار الماضي تفكر في النظريات الديمغرافية أو الخرائط أو النسب السكانية. كانت تفكر في شيء أبسط بكثير: أين ستنام الليلة؟
لكن خلف تلك اللحظة الفردية تختبئ قصة مدينة كاملة. مدينة هُدمت فيها آلاف المنشآت، وتم الاستيلاء على عشرات آلاف الدونمات من أراضيها، وتقلصت المساحات المتاحة للبناء الفلسطيني فيها، وارتفعت تكاليف السكن والضرائب إلى مستويات تدفع كثيرين للبحث عن حياة خارج حدودها.
لا يحدث ذلك عبر قرار واحد أو عملية تهجير جماعية مفاجئة. بل عبر سلسلة طويلة من الإجراءات الصغيرة والمتراكمة؛ قرار هدم هنا، وأمر إخلاء هناك، وضريبة ترتفع، وأرض يعاد تسجيلها، ورخصة بناء لا تصدر، وحيّ يضيق شيئا فشيئا على سكانه.
وبينما تصف السلطات الإسرائيلية هذه الإجراءات باعتبارها تطبيقاً للقانون أو إدارة للمدينة، يرى الفلسطينيون الذين يعيشون نتائجها اليومية صورة مختلفة: مدينة تتغير ملامحها تدريجياً، ويصبح البقاء فيها أكثر صعوبة عاما بعد عام.
بالنسبة لعائلات الرجبي والبصبوص وسكان البستان وكفر عقب وجبل المكبر والعيسوية، لا تبدو الهندسة السكانية مصطلحاً سياسياً أو أكاديمياً. إنها واقع ملموس يُقاس بعدد المنازل التي فُقدت، والأحياء التي تبدلت، والعائلات التي اضطرت إلى الرحيل.
وفي القدس، لا يحدث التغيير الديمغرافي دفعة واحدة. إنه يحدث بيتاً بعد بيت. وحيّاً بعد حيّ. وسنة بعد أخرى.
المصدر:
القدس