تتجسد مأساة التشتيت القسري للفلسطينيين في قصة الطفل جميل غنيم، الذي يبلغ من العمر الآن 32 شهراً، حيث يعيش منقسماً بين واقعين مريرين؛ خيمة لجوء ضيقة في قطاع غزة تضم والديه، وغرفة مستشفى في مدينة الخليل بالضفة الغربية المحتلة حيث يقيم مع جدته.
بدأت فصول هذه المعاناة قبل نحو عامين وثمانية أشهر، حين اضطر الرضيع جميل لمغادرة قطاع غزة وهو لم يتجاوز العاشرة من عمره، بحثاً عن علاج لانسداد في الشريان الرئوي بالقلب، وهي رحلة طبية كان من المفترض ألا تتجاوز أسابيع قليلة.
حالت الحرب المستمرة وإغلاق المعابر دون عودة الطفل إلى حضن عائلته، لتتحول رحلة العلاج القصيرة إلى اغتراب طويل بتر الشرايين الجغرافية والاجتماعية بين غزة والضفة، وأجبر العائلة على التواصل عبر شاشات الهواتف فقط.
في خيمة النزوح بغزة، يراقب الأب والأم تفاصيل نمو طفلهما الذي تركاه رضيعاً وأصبح اليوم طفلاً يركض ويتعلم الكلام، حيث تفيض عيونهما بالقهر وهما يشاهدان حركاته وضحكاته من خلف زجاج الشاشة الجامد دون القدرة على لمسه.
أفادت مصادر بأن الطفل جميل يطلق صرخات بريئة بكلمات ركيكة معبراً عن رغبته في العودة إلى غزة، بينما تحاول والدته العالقة في القطاع تهدئته بوعود اللقاء والنزهات التي يقتلها واقع الحصار العسكري المطبق.
تعبر الأم عن احتراق قلبها رغم فرحتها بسماع صوته، مؤكدة أن الاتصال الافتراضي لا يغني عن وجوده في حضنها، خاصة وأنه المولود الذكر الأول للعائلة الذي سُرقت طفولته بعيداً عن كنف والديه.
من جانبه، يصف الأب الألم النفسي الذي يعيشه وهو يرى ابنه يكبر في الصور، مشيراً إلى نشوء حاجز نفسي مخيف حيث بدأ الطفل يخجل منهما ولا يعرف ملامحهما الحقيقية نتيجة غيابهما القسري عن حياته اليومية.
تتفاقم الغصة لدى العائلة في مواسم الأعياد والمناسبات، حيث ترى الأم أطفال النازحين مع أمهاتهم بينما يبقى ابنها وحيداً في الخليل، مما يثير مخاوفها من عدم تعرفه عليها في حال تحقق اللقاء الأول المستقبلي.
على الجانب الآخر في الخليل، تعيش الجدة معاناة مزدوجة، فهي تحمل مسؤولية تربية طفل صغير في ظروف صعبة، بينما تفتقد زوجها المريض في غزة الذي يحتاج إلى رعايتها الدائمة نتيجة إصابته المتكررة بحالات غيبوبة.
أوضحت الجدة أن الطفل جميل عاش فترات طويلة من الحرب دون التواصل مع أهله بسبب انقطاع الإنترنت، مما زاد من حالة الجفاء النفسي والارتباك لدى الطفل الذي لا يدرك سبب وجوده بعيداً عن منزله.
كشفت مصادر ميدانية عن وجود نحو 42 شخصاً من العالقين في سكن المستشفى بالخليل، يعيشون ظروفاً مشابهة ويطالبون بالعودة إلى قطاع غزة، حيث يصفون إقامتهم هناك بأنها أشبه بالسجن رغم توفر الأمان النسبي.
يؤكد الأب أن الوضع المأساوي لا يمكن وصفه بالكلمات، فالطفل يزداد وعياً يوماً بعد يوم ويكتشف غياب والديه، مما يجعل حياته في سكن المستشفى تفتقر إلى الدفء الأسري والحنان الطبيعي الذي يحتاجه أي طفل في سنه.
تستمر المناشدات الإنسانية لإنهاء معاناة جميل وعشرات الحالات المشابهة، في ظل تعنت الاحتلال وإغلاق المعابر الذي يمزق النسيج الاجتماعي الفلسطيني ويحول دون اجتماع الشمل بين الآباء وأبنائهم.
تبقى قصة عائلة غنيم شاهداً حياً على بشاعة السياسات التي تشتت العائلات، حيث يظل الفيديو هو الرابط الوحيد لعائلة يفرقها حصار خانق لا يراعي حرمة الطفولة ولا يداوي جراح القلوب المحروقة شوقاً.
المصدر:
القدس