آخر الأخبار

علاقة واشنطن بالسلطة الفلسطينية: مقاربة جديدة للملف الفلسطين

شارك

د. دلال عريقات: قيمة أي تحول تقاس بمدى قدرته على تحويل وقف الحرب إلى مسار سياسي بضمن حق الشعب الفلسطيني وليس مجرد ترتيبات شبيهة بصفقة القرن

أكرم عطا الله: التباين الذي ساد العلاقة بين ترمب ونتنياهو عقب تداعيات الحرب مع إيران وتراجع نتائجها السياسية قد يولد لدى واشنطن مقاربة جديدة للملف الفلسطيني

د. رهام عودة: من المرجح توقيع مذكرة تفاهم بين "مجلس السلام" والسلطة يحدد خارطة طريق لإدارة غزة بالتوازي مع إعادة فتح مكتب المنظمة في واشنطن

محمد جودة: واشنطن تواجه معضلة مركزية تتعلق بغياب طرف فلسطيني قادر على إدارة مرحلة "اليوم التالي" بغزة ما يدفعها للبحث عن شريك يمكن الاعتماد عليه

د. حسين الديك: واشنطن لم تجد بديلاً سياسياً يمكن التعامل معه لأن منظمة التحرير الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني ما دفعها لإعادة فتح قنوات التواصل

نعمان توفيق العابد: مخاوف من توظيف هذه الاتصالات لإظهار وجود مسار تفاوضي دون نتائج فعلية على الأرض بما قد يُستخدم في تسويق التطبيع مع إسرائيل

رام الله- خاص بـ"القدس"-

في ظل الحديث الذي تناقلته صحيفة "ذا تايمز أوف إسرائيل" عن تعزيز العلاقة بين الولايات المتحدة والسلطة الوطنية الفلسطينية، فإن التقديرات تشير إلى أن ذلك الحراك قد يعكس توجهاً أمريكياً لإعادة إدماجها في ترتيبات ما بعد الحرب في قطاع غزة، بما يضمن وجود طرف فلسطيني يمكن التعامل معه في ملفات الحكم وإعادة الإعمار، وسط محاذير بأن يكون ذلك على حساب إحياء مسار التطبيع في المنطقة.

ويرى كتاب ومحللون سياسيون ومختصون وأساتذة جامعات، في أحاديث منفصلة مع "القدس"، أن هذا التوجه يرتبط أيضاً بمسار توسيع اتفاقيات أبراهام، حيث قد تسهم إعادة تفعيل العلاقة مع السلطة في توفير غطاء سياسي يسهّل تقدم التطبيع الإقليمي، ويخفف من تعقيدات الملف الفلسطيني داخل المعادلات الجديدة في المنطقة.

وتتراوح السيناريوهات وفق الكتاب والمحللين والمختصين وأساتذة الجامعات، بين انفتاح تدريجي يرفع مستوى التنسيق والدعم السياسي والاقتصادي دون تسوية شاملة، وبين إمكانية منح السلطة دوراً في إدارة غزة ضمن ترتيبات انتقالية بإشراف دولي، مقابل احتمال بقاء العلاقة في إطار إدارة الأزمة إذا تعثرت التفاهمات الإقليمية.

ويرون أن هذه التحركات قد تعكس مرحلة إعادة تموضع سياسي للسلطة الفلسطينية داخل الحسابات الأمريكية، حيث يتداخل مستقبل غزة مع التطبيع الإقليمي دون حسم واضح لشكل المرحلة المقبلة.




السلطة طرف لا يمكن تجاوزه


ترى أستاذة الدبلوماسية وحل الصراعات في الجامعة العربية الأمريكية، د.دلال عريقات، أن المعلومات المتداولة حول نية الولايات المتحدة تعزيز علاقتها مع السلطة الفلسطينية تحمل قدراً من الدقة من حيث الاتجاه العام، حتى وإن لم تكن تفاصيلها النهائية مؤكدة، معتبرة أن النقاشات الجارية تندرج ضمن سياق سياسي أوسع مرتبط بمستقبل قطاع غزة وإعادة الإعمار وتوسيع اتفاقيات أبراهام.

وتوضح عريقات أن الإدارة الأمريكية، وبتأثير من شركاء إقليميين على رأسهم السعودية، تنظر إلى السلطة الفلسطينية باعتبارها طرفاً لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات تخص "اليوم التالي" للحرب، سواء في غزة أو في إطار أي مسار سياسي إقليمي جديد، مشيرة إلى أن ما يتم تداوله حتى الآن يتعلق بمداولات واتصالات وليس بقرارات نهائية، وهو ما يتماشى مع توجهات أمريكية ظهرت خلال الأشهر الماضية.

وتحذر من التعامل مع هذه التسريبات بوصفها حقائق مكتملة، إذ قد تُستخدم أيضاً كأدوات ضغط ورسائل سياسية موجهة إلى أطراف متعددة تشمل السلطة الفلسطينية وإسرائيل والدول العربية، إضافة إلى الرأي العام الأمريكي، مؤكدة أن الإدارة الأمريكية السابقة والحالية تتبنى نهجاً شاملاً في إدارة الملف الفلسطيني، وأن أي مسار سياسي مرتبط بقرارات أممية سابقة يضع دور السلطة ضمن إطار استدامة وقف إطلاق النار والانتقال إلى مسار استراتيجي نحو الاستقرار.


انفتاح محدود


وفي ما يتعلق بالسيناريوهات المحتملة، توضح عريقات أن السيناريو الأول يتمثل في "انفتاح محدود" عبر تحسين العلاقات بين واشنطن والسلطة الفلسطينية، من خلال إعادة قنوات الاتصال، وزيادة الدعم الاقتصادي، وتعزيز التنسيق السياسي دون الوصول إلى اعتراف سياسي كبير أو مبادرات جوهرية، وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً في المرحلة الحالية.

أما السيناريو الثاني وفق عريقات، فيتمثل في "شراكة سياسية أوسع" في حال نجاح الولايات المتحدة في تثبيت ترتيبات ما بعد الحرب في غزة وربطها بتوسيع اتفاقيات أبراهام، حيث قد يتم إعادة إدماج السلطة الفلسطينية في المشهد السياسي والإقليمي مقابل تنفيذ إصلاحات داخلية، مع إمكانية إعادة فتح مكتب منظمة التحرير في واشنطن أو القنصلية الأمريكية في القدس، بما يضمن الحفاظ على حل الدولتين كإطار مرجعي.

وتشير عريقات إلى أن السيناريو الثالث يتمثل في استمرار إدارة الأزمة، وهو احتمال قائم في ظل الحكومة الإسرائيلية الحالية وتوسع الاستيطان وغياب الإرادة السياسية لتسوية نهائية، ما قد يبقي العلاقة الأمريكية الفلسطينية ضمن تحسينات تكتيكية دون تحول استراتيجي، مع استمرار التعامل مع القضية الفلسطينية كملف أمني وإنساني أكثر من كونها قضية تحرر وحق تقرير مصير.

وتشدد عريقات على أن السؤال الجوهري لا يتعلق فقط بإمكانية تحسين العلاقة بين واشنطن والسلطة، بل بما إذا كانت هذه العلاقة ستُترجم إلى إرادة سياسية أمريكية لمعالجة جذور الصراع وإنهاء الاحتلال، أم أنها ستبقى إطاراً لإدارة الأزمة وإعادة ترتيب الأدوات.

وتؤكد عريقات أن قيمة أي تحول تقاس بمدى قدرته على تحويل وقف الحرب إلى مسار سياسي قائم على القانون الدولي وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وليس مجرد ترتيبات مؤقتة أو اقتصادية ضمن مقاربات سابقة شبيهة بصفقة القرن.


إشارة سياسية إيجابية


يرى الكاتب والمحلل السياسي أكرم عطا الله أن العلاقات بين السلطة الوطنية والولايات المتحدة بدأت تشهد حراكاً متجدداً منذ موافقة السلطة على خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لوقف الحرب في قطاع غزة، وهو ما اعتبرته الإدارة الأمريكية إشارة سياسية إيجابية فتحت الباب أمام إعادة بعض قنوات التواصل.

ويوضح عطا الله أن من أبرز المؤشرات على هذا التقارب موافقة الرئيس ترمب على دعوة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي للرئيس محمود عباس لحضور قمة شرم الشيخ قبل أشهر، والتي شهدت إعلان المبادرة بحضور ترمب، مشيراً إلى أن هذه التطورات شكلت بداية علاقة جديدة بين الجانبين.


عوامل داخلية أمريكية


ويلفت عطا الله إلى أن عوامل داخلية أمريكية، خصوصاً الحاجة إلى أصوات انتخابية في الانتخابات النصفية للحزب الجمهوري، إضافة إلى دور الجالية الفلسطينية النشطة في الولايات المتحدة، قد ساهمت في تقريب وجهات النظر بين واشنطن والسلطة الفلسطينية خلال المرحلة الأخيرة.

ويلفت عطا الله إلى أن التباين الذي ساد العلاقة بين ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، عقب تداعيات الحرب مع إيران وتراجع نتائجها السياسية، قد يولد لدى واشنطن مقاربة جديدة للملف الفلسطيني، إلى جانب الدور العربي المتزايد الذي يضغط باتجاه إعادة تفعيل دور السلطة، سواء عبر قمة عربية سابقة أو من خلال طرح إصلاحات للسلطة وربطها بعودة إدارتها لقطاع غزة.

ويشير عطا الله إلى أن هذه التفاعلات قد تفتح الباب أمام سيناريوهات محدودة للتغيير في السياسة الأمريكية، خاصة في ظل اقتناع متزايد لدى أطراف إقليمية ودولية بأنه لا يوجد بديل عملي للسلطة الفلسطينية في إدارة قطاع غزة، مع اعتبارها "أهون الشرور" بالنسبة للولايات المتحدة وشركائها العرب.

ويرى عطا الله أن هذه التطورات لا تعني رفع سقف التوقعات الفلسطينية بشكل كبير، لكنها قد تعكس بداية تحول تدريجي في بعض السياسات الأمريكية، مدفوعاً بتقاطع المصالح الإقليمية وتغيرات المشهد السياسي الداخلي في واشنطن وتل أبيب.


أهداف ليست جديدة


ترى الكاتبة والمحللة السياسية د.رهام عودة أن الطروحات المتعلقة بدور محتمل للسلطة الفلسطينية في قطاع غزة بعد تنفيذ إصلاحات داخلية ليست جديدة، بل تستند إلى تصورات رسمية سابقة ضمن إطار "مجلس السلام"، الذي جرى الحديث عنه كآلية انتقالية لإدارة القطاع خلال المرحلة المقبلة.

وتوضح عودة أن مبعوث مجلس السلام إلى غزة، ملادينوف، كان قد صرّح في أكثر من مناسبة بأن المجلس سيسلم إدارة القطاع في نهاية المطاف إلى السلطة الوطنية الفلسطينية، شريطة التزامها بسلسلة من الإصلاحات الداخلية تشمل تطوير الأداء المؤسسي وتعزيز فعالية الأجهزة الأمنية والإدارية.

وتشير عودة إلى أن إعلان الرئيس محمود عباس عن تحديد موعد للانتخابات التشريعية والرئاسية شكّل مؤشراً إيجابياً في هذا السياق، عكس جدية السلطة في الذهاب نحو إصلاحات سياسية وديمقراطية، الأمر الذي أسهم في فتح الباب أمام الإدارة الأمريكية وإعادة تقييم العلاقة مع السلطة، تمهيداً لدعمها وإعادة تأهيلها لتولي إدارة قطاع غزة مستقبلاً.

وترى عودة أنه لا يوجد بديل عملي أو واقعي عن السلطة الفلسطينية لإدارة قطاع غزة بعد انتهاء الدور المؤقت لمجلس السلام، محذرة من أن غيابها قد يؤدي إلى فراغ سياسي وأمني يفتح المجال أمام سيطرة الميليشيات، وهو سيناريو لا ترغب به أي من الأطراف الدولية أو الإقليمية المنخرطة في الملف.


توقيع مذكرة تفاهم مع السلطة


وبحسب عودة، فإن السيناريو المرجح يتمثل في توقيع مذكرة تفاهم بين مجلس السلام والسلطة الفلسطينية، يحدد خارطة طريق لمراحل إدارة غزة، بالتوازي مع إعادة فتح مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن، بما يسمح للإدارة الأمريكية بمتابعة الملف بشكل مباشر عبر القنوات الدبلوماسية مع ممثل السلطة في العاصمة الأمريكية.

كما يتضمن التصور وفق عودة، إدخال قوات دولية إلى ما يعرف بـ"المنطقة الصفراء"، ومحاولة دفع حركة حماس نحو تسليم سلاحها لصالح إدارة لجنة وطنية، إلى جانب بحث آليات تحويل أموال المقاصة الفلسطينية المجمدة لدعم عمليات مجلس السلام في غزة، مع تخصيص جزء منها لصرف رواتب موظفي السلطة.


إمكانية بدء انتشار تدريجي لقوات دولية


وفي سيناريو آخر، تشير عودة إلى إمكانية بدء انتشار تدريجي لقوات دولية في قطاع غزة مع تفعيل لجنة إدارة غزة، إلى حين إجراء الانتخابات الفلسطينية، التي على ضوئها ستحدد الإدارة الأمريكية شريكها الفلسطيني المستقبلي، فيما قد يحتفظ المبعوث الدولي بعلاقة تنسيقية مع السلطة الحالية دون التوصل إلى اتفاق نهائي قبل الانتخابات.


اتجاهات منطقية


يرى الكاتب والمحلل السياسي محمد جودة أن التعامل مع ما يطرح حول توجهات السياسة الأمريكية الجديدة للتعامل الإيجابي مع السلطة الفلسطينية يجب ألا يقتصر على مدى دقة المعلومة التي أوردتها صحيفة "ذا تايمز أوف إسرائيل"، بل على مدى انسجامها مع المسار العام للسياسة الأمريكية في المرحلة الراهنة، مشيراً إلى أن هذه التوجهات تبدو منطقية ضمن سياق التطورات الإقليمية بعد حرب غزة.

ويوضح جودة أن الولايات المتحدة تواجه معضلة مركزية تتعلق بغياب طرف فلسطيني قادر على إدارة مرحلة "اليوم التالي" في غزة، ما يدفعها إلى البحث عن شريك سياسي وإداري يمكن الاعتماد عليه.

وفي الوقت ذاته، يرى جودة أن توسيع اتفاقيات التطبيع الإبراهيمية يتطلب إبقاء القضية الفلسطينية ضمن الحسابات السياسية، وعدم تجاوزها بالكامل في أي ترتيبات إقليمية جديدة.

وبحسب جودة، فإن الحديث عن تعزيز العلاقة مع السلطة الفلسطينية لا يعكس بالضرورة تحولاً جذرياً في السياسة الأمريكية أو توجهاً نحو تسوية نهائية، بل قد يكون أداة وظيفية لتحقيق هدفين أساسيين: إدارة الوضع في قطاع غزة، وتهيئة بيئة إقليمية تسمح باستمرار مسار التطبيع مع الدول العربية.

ويشير جودة إلى أن المقصود بتعزيز العلاقة لا يعني بالضرورة الاعتراف بدولة فلسطينية أو إطلاق مسار سياسي حاسم، بل يرتكز غالباً على رفع مستوى التنسيق السياسي والأمني والاقتصادي، وإعادة تأهيل السلطة لتكون شريكاً مقبولاً في أي ترتيبات مستقبلية إقليمية ودولية.


أربعة مسارات رئيسية


وفي ما يتعلق بالسيناريوهات المحتملة، يطرح جودة أربعة مسارات رئيسية؛ الأول يتمثل في تقديم دعم سياسي ومالي أكبر للسلطة وإدماجها تدريجياً في ترتيبات ما بعد الحرب في غزة دون تغيير جوهري في بنية الصراع. أما الثاني وفق جودة، فيقوم على تحويل السلطة إلى طرف أساسي في إدارة غزة مستقبلاً عبر صيغ إدارية جديدة مدعومة عربياً، رغم ما يواجهه من عقبات تتعلق بالشرعية الفلسطينية والموقف الإسرائيلي.

أما السيناريو الثالث بحسب جودة، فيرتبط بمحاولة ربط مسار التطبيع العربي بخطوات سياسية محدودة لصالح الفلسطينيين، مقابل تقديم إسرائيل تنازلات جزئية، وهو مسار يبقى رهيناً بتوازنات سياسية معقدة، في حين يشير إلى أن السيناريو الرابع يتمثل في فشل هذه التوجهات نتيجة رفض إسرائيلي أو فلسطيني أو بسبب تصعيد ميداني ينسف أي ترتيبات محتملة.

ويعتقد جودة أن جوهر المسألة لا يتعلق فقط بإرادة واشنطن، بل بمدى استعداد الأطراف الإقليمية، بما فيها إسرائيل والسلطة والفصائل والدول العربية، للانخراط في مسار سياسي متكامل، وهو ما يزال غير محسوم حتى الآن.


أمر ليس مفاجئاً


يرى أستاذ العلوم السياسية والمختص بالشأن الأمريكي والعلاقات الدولية د.حسين الديك أن ما أوردته صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" بأن الولايات المتحدة الأمريكية تدرس تعزيز علاقاتها مع السلطة الفلسطينية ضمن جهودها لدفع ترتيبات ما بعد الحرب في قطاع غزة وتوسيع اتفاقيات التطبيع الإقليمية، أمراً ليس مفاجئاً.

ويوضح الديك أن الاتصالات بين القيادة الفلسطينية والولايات المتحدة لم تنقطع بشكل كامل خلال السنوات الماضية، رغم التوتر السياسي وقرارات وقف المساعدات وإغلاق قنوات رسمية للتواصل، مشيراً إلى استمرار اتصالات عبر السفارة الأمريكية وتدخلات متكررة في ملفات تتعلق بالأموال الفلسطينية المحتجزة لدى إسرائيل، إلى جانب لقاءات جمعت مسؤولين أمريكيين بممثلين عن القيادة الفلسطينية.


إعادة فتح قنوات التواصل


ويشير الديك إلى أن واشنطن، رغم سياساتها السابقة تجاه السلطة الفلسطينية، لم تجد بديلاً سياسياً يمكن التعامل معه، باعتبار منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية الفلسطينية الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني، الأمر الذي يدفع الإدارة الأمريكية إلى إعادة فتح قنوات التواصل بعد إدراكها أن أي ترتيبات سياسية أو إقليمية لا يمكن أن تتم بمعزل عن الجانب الفلسطيني الرسمي.

ويلفت الديك إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد ثلاثة سيناريوهات رئيسية، يتمثل أولها في عودة العلاقات الفلسطينية الأمريكية بشكل تدريجي في ظل ضغوط عربية متواصلة على واشنطن لإعادة الانخراط مع السلطة الفلسطينية.


مرحلة من التهدئة والتسويات

أما السيناريو الثاني، وفق الديك، فيرتبط بدخول المنطقة مرحلة من التهدئة والتسويات السياسية، ما يستدعي حضور السلطة الفلسطينية في أي ترتيبات إقليمية جديدة بحكم علاقاتها مع الدول العربية والأوروبية، وهو ما قد ينعكس على شكل تقارب سياسي ودبلوماسي متدرج مع الإدارة الأمريكية.

ويلفت الديك إلى السيناريو الثالث وهو بقاء الوضع الراهن دون تطور في العلاقات لكنه يبقى احتمالاً ضعيفاً، خاصة مع تزايد التباينات بين المواقف الأمريكية والإسرائيلية في عدد من الملفات الإقليمية.

ويوضح الديك أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو سعى منذ عودته إلى السلطة عام 2009 لتحقيق هدفين رئيسيين هما مواجهة إيران وتوسيع دائرة التطبيع مع الدول العربية، وعلى رأسها السعودية.


التطبيع والرهن بالمسار السياسي للقضية الفلسطينية


ويعتبر الديك أن أي تقدم في مسار التطبيع السعودي الإسرائيلي سيظل مرتبطاً بوجود أفق سياسي للقضية الفلسطينية وضمانات تقود إلى قيام دولة فلسطينية، رغم أن الإدارة الأمريكية لم تطرح حتى الآن أي مبادرة واضحة بهذا الاتجاه.

وفيما يتعلق بمستقبل قطاع غزة، يؤكد الديك أن الولايات المتحدة باتت تدرك محدودية الخيارات المطروحة لإدارة القطاع بعد الحرب، في ظل تعثر المبادرات السابقة وعدم تحقيق أي اختراق حقيقي.

ويلفت الديك إلى أن واشنطن تنظر إلى خيارين فقط يتمثلان في عودة السلطة الفلسطينية إلى غزة أو فرض حكم عسكري إسرائيلي مباشر، وهو خيار لا ترغب إسرائيل في تحمل كلفته السياسية والاقتصادية والأمنية، ما يجعل عودة السلطة الفلسطينية الخيار الأكثر واقعية رغم استمرار الرفض الإسرائيلي له.


تعديلات على قوانين أمريكية تتعلق بالفلسطينيين


ويتطرق الديك إلى حراك داخل الكونغرس الأمريكي يتضمن تعديلات على مشاريع قوانين ستُناقش خلال الفترة المقبلة، من بينها إعادة فتح القنصلية الأمريكية المخصصة للفلسطينيين في القدس، واستئناف تمويل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، وتخصيص نحو 400 مليون دولار لإعادة إعمار غزة، إضافة إلى مقترحات لإعادة العلاقات الدبلوماسية مع السلطة الفلسطينية. في المقابل، يشير الديك إلى وجود تعديلات مضادة يدفع بها مؤيدو إسرائيل، من بينها اعتماد تسمية "يهودا والسامرة" بدلاً من الضفة الغربية.

ورغم اعتقاده بأن فرص إقرار هذه المقترحات ما تزال محدودة، إلا أن الديك يعتبر أن مجرد طرحها يعكس وجود حراك أمريكي متجدد تجاه الملف الفلسطيني وإعادة تموضع محتملة في السياسة الأمريكية خلال المرحلة المقبلة.


صعوبة تنفيذ أي خطة دون إشراك السلطة


يرى الكاتب والباحث السياسي والمختص بالعلاقات الدولية نعمان توفيق العابد أن الولايات المتحدة باتت تدرك صعوبة تنفيذ أي خطة سياسية في المنطقة دون إشراك السلطة الوطنية الفلسطينية، باعتبارها كياناً معترفاً به دولياً ونشأ نتيجة اتفاقيات سياسية، وتحظى باعتراف عدد من الدول الأوروبية، إضافة إلى كونها تمثل ذراعاً من أذرع منظمة التحرير الفلسطينية.

ويوضح العابد أن غياب السلطة عن أي ترتيبات في الضفة الغربية وقطاع غزة يجعل من الصعب تحقيق نتائج تخدم الرؤية الأمريكية، بما في ذلك خطط الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أو أي مقاربات مستقبلية تتعلق بالمنطقة، مرجحاً أن تكون هناك حوارات قائمة بين واشنطن والسلطة الفلسطينية، خصوصاً في ظل وجود أطراف إقليمية فاعلة، على رأسها السعودية، تدفع باتجاه إشراك السلطة ضمن أي مسار إصلاحي أو سياسي.

ويشير إلى أن هذه الاتصالات، في حال صحت التقارير الصحفية بشأنها، لا تعني بالضرورة وجود تحول سياسي جوهري، بل قد تقتصر على ملفات اقتصادية وإدارية محدودة، لافتاً إلى أنه لا يوجد حتى الآن أي تأكيد رسمي فلسطيني أو أمريكي حول نتائج ملموسة لهذه الحوارات.

ويستبعد العابد قدرة الإدارة الأمريكية الحالية على فرض أي مسار سياسي حقيقي في ظل وجود حكومة بنيامين نتنياهو، التي تتبنى سياسات متشددة تجاه الضفة الغربية وقطاع غزة، وتواجه ضغوطاً داخلية مرتبطة بالانتخابات الإسرائيلية المقبلة، ما يجعل تقديم أي تنازلات سياسية أمراً بالغ الصعوبة.

ويشير العابد إلى أنه في داخل الإدارة الأمريكية نفسها يوجد تيارات متعددة، بعضها لا يؤيد إشراك السلطة الفلسطينية في أي تسوية مستقبلية، بل يتبنى مواقف منسجمة أو أكثر تشدداً مع الرؤية الإسرائيلية، مستشهداً بتصريحات السفير الأمريكي في إسرائيل بوصفها مثالاً على هذا التوجه.


مخاوف لمحاولة توظيف هذه الاتصالات سياسياً


ويحذر العابد من وجود مخاوف لمحاولة توظيف هذه الاتصالات سياسياً لإظهار وجود مسار تفاوضي دون نتائج فعلية على الأرض، بما قد يُستخدم في تسويق التطبيع مع إسرائيل، معتبراً أن السلطة الفلسطينية يجب ألا تقع في "فخ الرمزية السياسية" دون ضمان نتائج حقيقية تخدم القضية الفلسطينية.

ويرى العابد أن ما يجري، في حال ثبوته، لا يتجاوز إدارة محدودة للواقع الفلسطيني عبر دعم اقتصادي وإبقاء السلطة في حالة "حياة سياسية غير مستقرة"، دون أي تقدم جوهري في المسار السياسي، في ظل استمرار الموقف الإسرائيلي الرافض لأي تسوية، واستحالة تقديم تنازلات في ظل الظروف الانتخابية الداخلية في إسرائيل.

القدس المصدر: القدس
شارك

الأكثر تداولا اسرائيل أمريكا لبنان إيران

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا