دخل اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان حيز التنفيذ رسمياً عند الساعة الرابعة من عصر يوم الجمعة، وسط تساؤلات عميقة حول قدرة هذا المسار على الصمود وتحقيق استقرار مستدام. ويرى مراقبون أن الاتفاق يواجه اختبارات مبكرة تتعلق بمدى التزام الأطراف ميدانياً، خاصة في ظل استمرار تواجد قوات الاحتلال الإسرائيلي في نقاط استراتيجية داخل الأراضي اللبنانية.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن جيش الاحتلال يسعى لفرض واقع أمني جديد في الجنوب اللبناني عبر ما يُعرف بـ'المنطقة الصفراء' أو المنطقة العازلة. هذا التوجه الإسرائيلي يصطدم برفض لبناني قاطع لأي بقاء عسكري أجنبي، مما يجعل التهدئة الحالية عرضة للاهتزاز في حال استمرت الاعتداءات أو التحركات العسكرية الاستفزازية.
أفادت مصادر مطلعة بأن الاتفاق لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتاج وساطة قطرية وأمريكية مكثفة شملت اتصالات رفيعة المستوى قادها الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني. وقد لعبت الدوحة دوراً محورياً في تقريب وجهات النظر ونقل الرسائل بين طهران وواشنطن لضمان توفير بيئة تسمح بوقف العمليات العسكرية الواسعة.
ويرتبط نجاح هذا الاتفاق بشكل وثيق بمسار التفاهمات الأوسع بين الولايات المتحدة وإيران، حيث تسعى واشنطن لاحتواء التصعيد الإقليمي وتهيئة الأجواء للمفاوضات. وتصر طهران في المقابل على اعتبار الساحة اللبنانية جزءاً لا يتجزأ من الترتيبات الإقليمية الشاملة، رافضة أي محاولات لفصل الجبهات دون ضمانات حقيقية.
قبيل سريان الاتفاق بدقائق، شهدت منطقة تلة علي الطاهر مواجهات عنيفة أسفرت عن وقوع قتلى وجرحى في صفوف الجيش الإسرائيلي، ما عكس توتراً ميدانياً كبيراً. هذه الأحداث تؤكد أن الميدان لا يزال ملتهباً، وأن الانتقال من حالة الحرب إلى الهدوء الدائم يتطلب إجراءات تتجاوز مجرد إعلان وقف إطلاق النار.
وفي سياق الضغوط الدولية، برزت تصريحات للرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب أشار فيها إلى قدرته على إجبار حكومة نتنياهو على وقف العمليات العسكرية بشكل كامل. وتعكس هذه التصريحات حجم التداخل بين الحسابات السياسية الداخلية في الولايات المتحدة وبين مسارات الصراع الدائر في الشرق الأوسط.
يبقى الاختبار الحقيقي للاتفاق مرهوناً بجدول زمني واضح لانسحاب القوات الإسرائيلية من كافة المواقع التي تمركزت فيها خلال التصعيد الأخير. وبدون تحقيق هذا الانسحاب الكامل، سيظل اتفاق وقف إطلاق النار مجرد هدنة مؤقتة فرضتها ظروف دولية، بانتظار جولة جديدة من المواجهة قد تندلع عند أول خرق أمني.
المصدر:
القدس