آخر الأخبار

أثر النزوح على العلاقات الاجتماعية والخصوصية في قطاع غزة

شارك

في مخيمات النزوح الممتدة بقطاع غزة، لم تعد صلة الرحم مجرد واجب اجتماعي بسيط، بل تحولت إلى معركة يومية تُقاس بالمتر والدقيقة ومدى اتساع الشادر. الزيارة الواحدة باتت تتطلب جسداً قادراً على تحمل وعورة الطريق، وميزانية تغطي تكاليف المواصلات الباهظة، وخيمة يمكنها استيعاب الضيف دون إحراج.

تبدو الحياة داخل صفوف الخيام المتقاربة مكشوفة تماماً، حيث تلاشت الحدود الفاصلة بين العام والخاص، وغابت الخصوصية التي كانت توفرها الجدران الإسمنتية سابقاً. المطبخ يقع عند المدخل، والفرش ممدد على الرمل، بينما تعبر الأحاديث الخافتة قماش الخيام لتصل إلى الجيران أسرع من أصحابها.

تصف النازحة إيمان أبو الليل واقعها المرير، حيث تجلس في مساحة ضيقة تُستخدم للطبخ والنوم واستقبال الزائرين في آن واحد. هذا الانكشاف اليومي جعلها تشعر بالاختناق، ودفعها لتقليص زياراتها الاجتماعية تجنباً للإحراج وضيق المكان الذي لا يتسع حتى لأفراد عائلتها المقربين.

قبل اندلاع الحرب، كان بيت إيمان يوفر مساحة من الراحة والفضفضة لكل زائر، أما اليوم فقد فقدت الزيارة معناها القديم. الضيف الآن يجلس وسط تفاصيل العائلة اليومية من أواني طبخ وملابس معلقة، مما يجعل أي حديث خاص عرضة للانتقال السريع بين الخيام المتلاصقة.

لم تقتصر المعاناة على ضيق المكان، بل امتدت لتشمل كبار السن الذين يجدون في التنقل مشقة تفوق طاقتهم الجسدية. الحاج عبد القادر أبو عودة، البالغ من العمر 75 عاماً، يضطر للمشي ساعات طويلة قبل أن يجد وسيلة نقل تقله لزيارة والدته وبناته الموزعات بين خان يونس ودير البلح.

تعتمد وسائل النقل المتاحة حالياً على عربات بدائية تجرها مقطورات حديدية ضيقة، تفتقر لأدنى مقومات الراحة والأمان. هذه الرحلات الشاقة عبر شارع الرشيد، الذي يعد شريان الحياة الوحيد، غالباً ما تتعرض للأعطال المفاجئة، مما يضاعف من معاناة الركاب العالقين تحت أشعة الشمس.

يقول أبو عودة إن أثر الرحلة الواحدة يبقى في جسده لأسابيع، حيث تزيد الآلام الناتجة عن الجلوس على المقاعد الحديدية القاسية من معاناته الصحية. وبسبب هذه الظروف، اضطر لتحويل الهاتف إلى وسيلة تواصل أساسية، بانتظار فرج قريب يسهل عليه الطرق المقطوعة.

الزيارة التي كانت شيئاً طبيعياً صارت تحتاج حساباً لألم الجسد وطول المسافة، وأولادنا قريبون من القلب لكن الطريق صار بعيداً ومتعباً.

من جانبها، تعيش الحاجة راضية أبو عودة حالة من الشوق المؤجل لأبنائها وأحفادها، بعد أن حالت آلام الظهر والقدمين دون قدرتها على السفر. الزيارة بالنسبة لها أصبحت رحلة ثقيلة على الجسد والجيب معاً، مما أجبرها على الاعتذار حتى عن حضور المناسبات العائلية القريبة.

أفادت مصادر بأن الحاجة راضية تضطر للمشي لمسافات طويلة عند خروجها للعلاج فقط، وهو ما يستهلك كامل طاقتها. رحلة العلاج الواحدة كشفت لها أن الزيارة العائلية باتت تتطلب صحة ومالاً ووقتاً طويلاً، وهي مقومات تفتقدها في ظل ظروف النزوح القاسية.

أما الأكاديميون والموظفون، فقد وجدوا طرقاً مبتكرة للتكيف مع هذا الواقع عبر دمج المهام المهنية بالواجبات الاجتماعية. الدكتور ماهر عوض، المحاضر في الجامعة الإسلامية، يضطر لترتيب لقاءاته مع الأصدقاء والعائلة لتتزامن مع أيام عمله في الجامعة توفيراً للجهد والوقت.

يمشي الدكتور عوض تحت أشعة الشمس الحارقة وبين ركام المباني المتضررة، حاملاً حقيبته التي يستخدمها أحياناً كساتر من الحر. الحركة اليومية بالنسبة له باتت عبئاً كاملاً يشمل الانتظار الطويل وتبدل وسائل النقل، مما يجعل تخصيص يوم مستقل للزيارة أمراً شبه مستحيل.

هذا الضغط الزمني والمكاني حول صلة الرحم في غزة إلى محاولة شاقة لحفظ تواصل العائلة وسط مسافات طويلة ومواصلات مرهقة. اللقاءات العائلية التي كانت تتسم بالدفء والهدوء، صارت اليوم خططاً مضغوطة تُختصر فيها الجلسات خشية من مشقة طريق العودة قبل حلول الظلام.

تظل الخيمة التي آوت الأجساد من القصف، تضغط على التفاصيل الخاصة للنازحين وتضيق عليهم سبل الراحة. ورغم كل هذه التحديات، يحاول الغزيون إبقاء روابطهم حية، ولو بمكالمة هاتفية أو لقاء خاطف يجمع أشواق أشهر طويلة في دقائق معدودة.

إن مشهد الزيارة الاجتماعية في غزة اليوم يختصر حكاية شعب يقاوم التفكك الأسري رغم كل محاولات التهجير والنزوح. هي رحلة تبدأ بقرار صعب وتنتهي بجسد منهك، لكنها تظل المحرك الأساسي للصمود النفسي في وجه واقع يستهلك الدفء العائلي ببطء.

القدس المصدر: القدس
شارك

الأكثر تداولا أمريكا دونالد ترامب إيران

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا