آخر الأخبار

فيلم صوت هند رجب: كيف واجه الفن جريمة الاحتلال في غزة؟

شارك

شهد حفل توزيع جوائز الأوسكار الثامن والتسعين لحظة فارقة حين كسر الممثل الإسباني خافيير بارديم بروتوكول الصمت، معلناً تضامنه الكامل مع فلسطين ومطالباً بوقف الحرب. بارديم الذي ارتدى شارة احتجاجية تعود لعام 2003، ربط بين نضالات الماضي والحاضر، مسلطاً الضوء على فيلم 'صوت هند رجب' للمخرجة التونسية كوثر بن هنية الذي كان ينافس في القائمة النهائية.

الفيلم الذي يتناول اللحظات الأخيرة في حياة الطفلة هند رجب، لم يكن مجرد عمل سينمائي عابر، بل تحول إلى صرخة سياسية ترددت أصداؤها في قاعة لوس أنجلوس. ورغم عدم فوزه بالجائزة، إلا أن اسم هند رجب بات رمزاً يطارد الضمير العالمي، مذكراً بالجريمة التي ارتكبتها قوات الاحتلال في قطاع غزة بحق الطفولة والعمل الإنساني.

في سياق متصل، كان الحراك الطلابي في جامعة كولومبيا قد مهد الطريق لهذا الحضور العالمي عبر احتلال مبنى 'هاملتون هول' وإعادة تسميته بـ 'هند هول'. هذا الفعل الاحتجاجي الذي واجهته شرطة نيويورك بالقمع، تحول إلى ملهم للفنانين، حيث أصدر مغني الراب ماكليمور أغنيته الشهيرة التي استلهمت ألحانها من فيروز لتخليد ذكرى الطفلة الشهيدة.

القضاء الأمريكي دخل على خط المواجهة أيضاً، حيث ألغى قاضٍ في نيويورك قرارات الفصل التعسفية بحق الطلاب المحتجين، مؤكداً بطلان ادعاءات الجامعة. هذا الانتصار القانوني منح الطلاب زخماً إضافياً لتحويل احتجاجهم إلى معارض فنية وثقت أدوات النضال ورسائل والدة هند، وسام حمادة، التي باركت جهودهم في الحفاظ على الذاكرة.

المعرض الفني الذي أقيم في بروكلين وبيرزيت لم يكن مجرد عرض للوحات، بل كان 'معرضاً حربياً' متنقلاً يواجه محاولات المحو والنسيان. تضمن المعرض صوراً للجريمة استخدمها الادعاء كأدلة ضد الطلاب، لكن المنظمين أعادوا صياغتها لتكون شهادة حية على بشاعة الاحتلال وإصرار الجيل الجديد على كشف الحقيقة.

وعلى الصعيد السياسي، واصل المتحدث باسم الخارجية الأمريكية ماثيو ميلر التملص من المسؤولية، محيلاً التحقيق في مقتل هند إلى الجانب الإسرائيلي. هذا الموقف الرسمي قوبل بضغط من صحفيين ونشطاء رفضوا أن تذوب قضية هند ضمن أرقام الضحايا التي تجاوزت عشرين ألف طفل، مؤكدين على ضرورة المساءلة الفردية والممنهجة.

فيلم كوثر بن هنية اختار مقاربة فنية قاسية عبر جعل هند رجب تؤدي دور نفسها من خلال تسجيلاتها الصوتية الحقيقية. هذا الاختيار وضع الجمهور في مواجهة مباشرة مع رعب الطفلة وهي تتوسل لإنقاذها، مما حول قاعة السينما إلى مساحة للتوتر الدرامي الذي يعكس عجز المجتمع الدولي عن التدخل في الوقت المناسب.

إن كون الفيلم يُجبرنا على الجلوس مع صوت هند لساعات في الظلام هو بالضبط مصدر قوته ومطلبه الأخلاقي.

التحقيقات المستقلة كشفت أن الدبابة الإسرائيلية كانت على بعد أمتار قليلة من سيارة هند حين أطلقت مئات الطلقات، مما يدحض روايات 'الخطأ' العسكري. كما وثق الفيلم استهداف سيارة الإسعاف التابعة للهلال الأحمر وقتل المسعفين اللذين حاولا الوصول إليها، في جريمة حرب مكتملة الأركان جرت تحت سمع وبصر العالم.

ردود فعل الجمهور في نيويورك والعالم العربي تباينت بين الصدمة والعجز، حيث عبر الكثيرون عن عدم قدرتهم على تحمل الألم الذي يبثه صوت هند. هذا 'العجز' كما يصفه النقاد، قد يتحول إلى فعل سياسي إذا ما تم استثماره لمواجهة النظام الذي يسمح بشن هذه الحروب، بدلاً من الاكتفاء بالتعاطف اللحظي ثم العودة للحياة الطبيعية.

يربط المحللون بين صورة هند رجب وأيقونات تاريخية مثل 'فتاة النابالم' في فيتنام والطفل إيلان الكردي، معتبرين أن الفن هو الوسيلة الوحيدة لمنع ترويض الذاكرة. فبينما تحاول القوى السياسية تحويل الضحايا إلى مجرد أرقام أو قضايا إنسانية مجردة، يعيد الفنانون غرس الفظائع في الوعي الجمعي كحقائق لا تقبل التأويل.

المخرجة بن هنية نجحت في استخدام 'الصوت' كأداة مطاردة لا يمكن الإفلات منها، بخلاف الصور التي قد يعتاد الناس رؤيتها بمرور الوقت. إن الجلوس في الظلام والاستماع لاستغاثات هند لساعات يجبر المشاهد على مواجهة الحقيقة العارية، ويمنع تحويل المأساة إلى مجرد 'ميم' أو محتوى عابر على وسائل التواصل الاجتماعي.

هناك تحذيرات جدية من تحويل هند إلى 'استثناء' يغطي على آلاف الأطفال الآخرين الذين استشهدوا في غزة بطلقات قناصة متعمدة في الرأس والصدر. أطباء متطوعون أكدوا أن نمط الإصابات يشير إلى سياسة استهداف ممنهجة تهدف للإبادة الجماعية عبر الأجيال، وهو ما يتجاوز فكرة الأخطاء الفردية للجنود في الميدان.

في خطوة تشريعية هامة، قُدم مشروع قانون 'العدالة لهند رجب' في الكونغرس الأمريكي في مارس 2026، مطالباً بمحاسبة المسؤولين عن قتلها. المشروع الذي حظي بدعم نواب بارزين مثل سارة جاكوبس وكريس فان هولن، يشير صراحة إلى التواطؤ الأمريكي المحتمل، مما يمثل تحولاً في التعاطي السياسي مع جرائم الحرب في غزة.

ختاماً، يبقى صوت ليان حمادة، ابنة عم هند، شاهداً إضافياً على المأساة، حيث كانت هي أول من أبلغ عن محاصرة الدبابات لهم قبل أن تسكتها 64 رصاصة. إن تضافر الفن والسياسة والتوثيق يضمن ألا تذهب هذه الأصوات سدى، وأن تظل قضية هند وليان وكل أطفال غزة حية حتى تتحقق العدالة الناجزة.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا