آخر الأخبار

سموتريتش يلغي اتفاقيات الخليل: تداعيات سحب صلاحيات البلدية

شارك

تمر مدينة الخليل بلحظة سياسية فارقة تبدو كإعلان مفتوح عن مرحلة جديدة في إدارة الصراع داخل الضفة الغربية. يأتي ذلك عقب تصريحات وزير المالية في حكومة الاحتلال، بتسلئيل سموتريتش، حول إلغاء ما يُعرف بـ 'اتفاقيات الخليل'، في خطوة تتجاوز التعديل الإداري لتصل إلى إعادة صياغة شاملة لهوية المدينة.

تمثل هذه الخطوة تفكيكاً تدريجياً للترتيبات التي أُقرت في منتصف التسعينيات عقب اتفاق أوسلو، والتي نظمت إعادة انتشار القوات داخل المدينة. كانت تلك الاتفاقيات قد أوجدت نوعاً من الإدارة المشتركة الهشة بين سلطة بلدية فلسطينية بمهام مدنية، وسلطة عسكرية إسرائيلية ممسكة بالقرار الأمني.

وفقاً للمعطيات الجديدة، فإن الاحتلال يسعى لسحب الصلاحيات المدنية المتبقية من يد الطرف الفلسطيني وتركيزها في يد الإدارة الإسرائيلية بشكل مباشر. يشمل هذا التوجه ملفات جوهرية مثل التنظيم والبناء والتخطيط العمراني، بالإضافة إلى إدارة البنية التحتية في مناطق واسعة وحساسة من المدينة.

إن تقليص دور بلدية الخليل إلى وظائف خدمية شكلية يعني الانتقال من نموذج الإدارة المقيدة إلى نموذج الإدارة المباشرة الموسعة. هذا التحول يمس جوهر الحياة اليومية للسكان الفلسطينيين، ويضع مستقبل الوجود العمراني والسكاني في قلب المدينة القديمة تحت تهديد مباشر ومستمر.

لا يمكن قراءة الخليل كمدينة عادية، فهي نقطة الاحتكاك الأكثر حساسية حيث تتداخل الطبقات التاريخية والدينية بشكل استثنائي. يقع الحرم الإبراهيمي في قلب هذا الصراع، حيث تحاول الرواية الإسرائيلية فرض سيطرتها على المكان وتحويله إلى عنصر مركزي في معادلة السيطرة السياسية والميدانية.

يصبح أي تغيير في الصلاحيات المتعلقة بالمحيط العمراني للحرم الإبراهيمي أكثر من مجرد إجراء إداري عابر. إنها خطوة تمس أحد أكثر الرموز الدينية قدسية، وتكشف عن رغبة في تسييس المقدس واستخدامه كأداة لصياغة وقائع جديدة على الأرض تخدم الأجندات الاستيطانية.

تستخدم التيارات المتطرفة في حكومة الاحتلال الخطاب التوراتي لتبرير التوسيع الاستيطاني في قلب المدينة القديمة. في المقابل، يظل الحرم الإبراهيمي في الوعي الفلسطيني والإسلامي جزءاً من سردية دينية راسخة لا تقبل القسمة، مما يجعل الصراع على المكان صراعاً على الهوية والوجود.

الخليل اليوم ساحة اختبار جديدة لمعادلات السيطرة وإعادة هندسة الواقع، حيث تتقاطع السياسة مع الدين والتاريخ مع الحاضر.

إن سحب صلاحيات التخطيط والبناء يفتح الباب على مصراعيه أمام تسريع مشاريع الاستيطان وتغيير الخريطة السكانية. التحكم في النمو العمراني الفلسطيني وفرض قيود مشددة عليه هو وسيلة فعالة لإعادة تشكيل المناطق الحساسة بما يخدم الرؤية الإسرائيلية بعيدة المدى في الضفة الغربية.

هذه الأنماط من السيطرة ليست جديدة، بل هي تكرار لسياسات شهدتها مناطق أخرى، حيث يؤدي نقل الصلاحيات إلى تغيير بنية المكان بشكل عميق. تهدف هذه الإجراءات إلى جعل العودة إلى أي تسوية سياسية مستقبلية أمراً مستحيلاً من الناحية العملية والميدانية.

تعتبر الخليل حلقة مركزية في مشروع أوسع يهدف إلى تثبيت وقائع جديدة وتقليص دور المؤسسات الفلسطينية الوطنية. وبحكم حجمها السكاني وموقعها الجغرافي في جنوب الضفة، فإن أي تغيير في بنيتها الإدارية سيترك أثراً كبيراً على كامل المنطقة المحيطة بها.

على المستوى العملي، سيؤدي التحكم المباشر في التخطيط إلى إعادة تشكيل البنية الحضرية لتخدم بؤر الاستيطان الموزعة في قلب المدينة. هذا الضغط الديموغرافي المتعمد يهدف إلى دفع السكان الفلسطينيين للهجرة من مراكز المدن القديمة وتفريغها لصالح المستوطنين.

أما فيما يخص الحرم الإبراهيمي، فإن التغييرات المقترحة تهدد التوازن الهش القائم منذ سنوات طويلة. إن إعادة صياغة التوازن في هذا الموقع الحساس قد تؤدي إلى تفجر الأوضاع الميدانية، نظراً لمكانة المسجد العظيمة في قلوب الفلسطينيين والمسلمين حول العالم.

ينسجم هذا القرار مع توجهات الحكومة الإسرائيلية الحالية التي تتبنى رؤى متطرفة تدعو لإنهاء الوجود المؤسسي الفلسطيني. يرى هؤلاء في الاتفاقيات السابقة مجرد مرحلة انتقالية يجب تجاوزها للوصول إلى السيطرة الكاملة والمباشرة دون أي التزامات قانونية أو دولية.

في نهاية المطاف، تبرز الخليل كساحة تُعاد كتابة تفاصيلها بالصلاحيات والقرارات المتلاحقة بعيداً عن ضجيج الإعلام أحياناً. وبين الخطاب السياسي والواقع الميداني، تظل الحقيقة أن المدينة تُدفع نحو واقع جديد يستبدل التفاهمات القديمة بمنطق القوة والسيطرة المطلقة.

القدس المصدر: القدس
شارك

الأكثر تداولا أمريكا إيران دونالد ترامب

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا