آخر الأخبار

أزمة السيولة والعملات المعدنية في غزة: الأسباب والتداعيات

شارك

يواجه سكان قطاع غزة تحدياً يومياً جديداً يضاف إلى أعباء الحرب، حيث تحولت 'الفكة' أو العملات المعدنية الصغيرة إلى عملة نادرة يصعب الحصول عليها. يروي المواطن محمود بصل كيف تتبخر محاولاته لشراء ربطة خبز أو استقلال وسيلة مواصلات لمجرد عدم امتلاكه لقطع نقدية صغيرة، مما يضطره لقطع مسافات طويلة سيراً على الأقدام رغم امتلاكه المال الورقي في جيبه.

هذه المعاناة ليست فردية، بل أصبحت واقعاً مشتركاً يعطل تفاصيل الحياة البسيطة؛ فالشاب عماد عقل يضطر للمشي مسافات تتجاوز الكيلومترين يومياً للوصول إلى منزله. ويؤكد عقل أن السائقين يرفضون التعامل بالأوراق النقدية الكبيرة لعدم قدرتهم على إرجاع المتبقي للركاب، في حين تفرض المحافظ الرقمية رسوماً إضافية باهظة تجعلها خياراً غير مجدٍ للمعاملات الصغيرة.

على الصعيد التجاري، يصف أصحاب المصالح الوضع بالـ 'مشلول'، حيث يكشف رائد أبو سيدو، صاحب مطعم أن نصف عمليات البيع في منشأته تنتهي بالإلغاء. ويرى أبو سيدو أن تعطل القدرة على الإنفاق بات يمس الأمن الغذائي للعائلات، حيث تلتقي تجربته كتاجر مع معاناته كمواطن يعجز أحياناً عن تأمين مصروف أطفاله اليومي.

وفي الأسواق الشعبية، يروي جبر السرحي، بائع الأحذية، كيف تضيع صفقات بيع محققة بسبب بضعة شواكل مفقودة من 'الفكة'. ويشير السرحي إلى أن غياب الثقافة المصرفية الرقمية لدى شريحة واسعة من المواطنين، بالإضافة إلى ضعف البنية التحتية للاتصالات، يجعل الاعتماد على النقد المعدني ضرورة لا يمكن تجاوزها في الوقت الراهن.

أما الباعة المتجولون، فهم الفئة الأكثر تضرراً لارتباط سلعهم بأسعار زهيدة جداً، حيث يوضح محمد الغندور، بائع المثلجات أن 70% من مبيعاته تفشل يومياً. ويضيف الغندور أن محاولات الدفع الإلكتروني تصطدم دائماً بضعف شبكة الإنترنت وانقطاعها المستمر، مما يدفع الزبائن للمغادرة دون إتمام عملية الشراء.

وتمتد الأزمة لتشمل جودة الأوراق النقدية المتاحة، حيث يشكو شادي الفيومي، صاحب بقالة، من رفض كبار التجار استلام الأوراق النقدية المهترئة. هذا الرفض خلق جداراً من عدم الثقة بين التاجر والزبون، حيث يخشى كل طرف قبول ورقة نقدية قد لا يتمكن من صرفها لاحقاً في ظل غياب الرقابة المصرفية الفاعلة.

قطاع المواصلات يشهد بدوره مشاحنات يومية واشتباكات لفظية بين السائقين والركاب بسبب أزمة العملة المعدنية. ويقول السائق شعبان دلول إن البلد يفتقر تماماً للفئات الصغيرة، وهو ما يعيق السائقين عن تحصيل أجرتهم أو حتى توفير ثمن الوقود المرتفع، مما يهدد قدرتهم على الاستمرار في العمل وتلبية احتياجات أسرهم.

50% من عمليات البيع والشراء اليومية داخل المطاعم تفشل ويتم إلغاؤها كلياً بسبب عدم توفر الفكة لإتمام المعاملات النقدية.

أمام هذا الانسداد، ظهرت مبادرات محلية لمحاولة سد الفجوة، كان أبرزها قيام تجمع 'مبادرون مصلحون' بصك عملة نحاسية بديلة. إلا أن هذه الخطوة واجهت رفضاً رسمياً قاطعاً من وزارة الاقتصاد في غزة، التي حذرت من تداول أي عملات غير قانونية تفتقر للغطاء المالي أو المرجعية المصرفية الشرعية التي تحمي قيمتها.

وتعزو سلطة النقد الفلسطينية أزمة السيولة الحادة إلى الدمار الواسع الذي لحق بفروع المصارف ومقراتها نتيجة القصف المستمر على القطاع. وأوضحت المصادر أن تعذر فتح الفروع المتبقية وانقطاع التيار الكهربائي أخرجا معظم أجهزة الصراف الآلي من الخدمة، مما أدى إلى احتجاز السيولة داخل النظام المصرفي المعطل ميدانياً.

من جانبه، يرى المحلل الاقتصادي أحمد أبو قمر أن نقص العملات الصغيرة أدى لفقدان الثقة في المنظومة النقدية المتاحة بالكامل. ويوضح أبو قمر أن اهتراء فئات الـ 20 والـ 10 شواكل دفع المواطنين لاكتناز القطع المعدنية، مما زاد من حدة الأزمة وخلق ضغطاً هائلاً على المعروض المحدود أصلاً في الأسواق.

وحذر أبو قمر من ظهور 'أسواق موازية' غير قانونية، حيث نشط بعض التجار في احتكار 'الفكة' وبيعها كسلعة مقابل مبالغ أعلى من قيمتها الاسمية. ويصل الأمر إلى بيع كل 80 شيكلاً معدنياً مقابل ورقة من فئة 100 شيكل، وهو مؤشر اقتصادي خطير يعكس حالة اليأس والحاجة الماسة للسيولة الصغيرة.

ورغم أن الدفع الإلكتروني ساهم في حل جزء من المعاملات الكبيرة، إلا أن أبو قمر يؤكد أنه يظل حلاً منقوصاً في ظل منع إدخال الهواتف الحديثة. كما أن غياب الثقافة المالية لدى فئات واسعة من كبار السن والعمال يجعل من 'الكاش' الوسيلة الوحيدة الموثوقة لديهم، مما يبقي الأزمة قائمة دون حلول جذرية تلوح في الأفق.

ويشدد الخبراء على ضرورة إلزام الاحتلال ببروتوكول باريس الاقتصادي الذي ينظم إدخال السيولة النقدية واستبدال التالف منها عبر البنوك المحلية. ويشير أبو قمر إلى تنصل الجانب الإسرائيلي من هذه الاتفاقيات، مما يتطلب ضغطاً دولياً حقيقياً لإدخال الفئات النقدية الصغيرة لإنقاذ ما تبقى من النشاط التجاري المتهالك.

وفي الختام، يبقى الأمن الغذائي لسكان غزة مهدداً بشكل مباشر مع استمرار هذه المعضلة النقدية، خاصة بعد تقليص المساعدات الغذائية الدولية. إن حاجة المواطن للشراء النقدي المباشر من الأسواق أصبحت تصطدم بعوائق تقنية ومالية، مما يجعل الحصول على لقمة العيش رحلة شاقة تبدأ بالبحث عن 'فكة' مفقودة.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا