آخر الأخبار

مجزرة قافلة مرجعيون 2006: تفاصيل الغدر الإسرائيلي بالنازحين

شارك

تعيد الذاكرة اللبنانية في الحادي عشر من أغسطس/ آب من كل عام، مأساة مجزرة قافلة مرجعيون التي وقعت خلال عدوان صيف 2006، حين استهدف طيران الاحتلال الإسرائيلي آلاف المدنيين الفارين من جحيم القصف. القافلة التي ضمت نحو ألف مركبة، كانت قد انطلقت بناءً على تنسيق مسبق وضمانات أمنية وفرتها قوات الطوارئ الدولية 'اليونيفيل'، إلا أن الاحتلال نكث بوعوده كعادته.

بدأت فصول المأساة حين سيطرت دبابات الاحتلال على ثكنة القوة الأمنية المشتركة في مرجعيون قبل أيام قليلة من نهاية الحرب، مما دفع القوات اللبنانية لاتخاذ قرار بالانسحاب. والتحق بالرتل العسكري مئات العائلات النازحة من قرى مرجعيون والعرقوب، بحثاً عن ممر آمن نحو البقاع الغربي بعيداً عن خطوط المواجهة المشتعلة.

تشير التقارير الميدانية إلى أن القافلة تأخرت في الانطلاق نتيجة تضرر الطرقات بفعل الغارات السابقة، مما استدعى تدخل جرافات 'اليونيفيل' لفتح المسارات. وبدأت الرحلة الشاقة تحت مراقبة طائرات الاستطلاع الإسرائيلية التي لم تغادر الأجواء، رغم التأكيدات الدولية بأن المسار المتفق عليه يحظى بحصانة من الاستهداف العسكري.

عند وصول القافلة إلى مشارف بلدة جب جنين في البقاع الغربي قرابة الساعة العاشرة ليلاً، باغتت الطائرات الحربية النازحين بسلسلة من الصواريخ المركزة. استهدفت الغارات مقدمة القافلة ووسطها ومؤخرتها في آن واحد، مما أدى إلى حالة من الذعر الشديد بين آلاف المدنيين الذين كانوا يستقلون حافلات وسيارات مدنية ترفع الرايات البيضاء.

أسفر هذا العدوان الغادر عن ارتقاء سبعة شهداء، بينهم أحد المسعفين، وإصابة العشرات بجروح متفاوتة الخطورة، في حصيلة تراوحت التقديرات بشأنها بين 36 و65 جريحاً. وتحولت الطريق التي كان من المفترض أن تكون ممراً للنجاة إلى ساحة للموت والدمار، حيث احترقت العديد من المركبات وتناثرت مقتنيات النازحين في المكان.

في محاولة للتنصل من المسؤولية القانونية والأخلاقية، سارع جيش الاحتلال إلى تقديم روايات متضاربة حول أسباب الاستهداف. وزعمت مصادر عبرية حينها أن القوات اشتبهت بنقل أسلحة لصالح حزب الله داخل الشاحنات، كما ادعت أن 'اليونيفيل' لم تحصل على إذن نهائي لتحرك هذا العدد الضخم من الآليات.

ردت قوات 'اليونيفيل' بحزم على هذه الادعاءات، حيث أكد قائدها آنذاك الجنرال ألان بيلليغريني أن الجانب الإسرائيلي منح الضوء الأخضر للعملية بشكل صريح. وأوضحت المصادر الدولية أن التنسيق شمل تحديد المسار وتوقيت التحرك، مما يجعل الاستهداف الإسرائيلي خرقاً متعمداً للتفاهمات الميدانية وقواعد القانون الدولي الإنساني.

معرفة الجيش الإسرائيلي بأن قافلة مدنية كبيرة تتجه شمالاً، وملاحظة الرايات البيضاء، كان كافياً لعدم الإقدام على هذه الغارة.

من جهتها، فندت منظمة 'هيومن رايتس ووتش' الرواية الإسرائيلية في تقرير مفصل، واصفة تبريرات الاحتلال بأنها غير قابلة للتصديق وتناقض الوقائع الملموسة. وشددت المنظمة على أن القافلة كانت مرئية بوضوح للطائرات، وأن حجمها وطبيعة المركبات المدنية فيها كانت تستوجب الامتناع عن القصف بموجب قوانين الحرب.

تأتي هذه المجزرة ضمن سياق أوسع لعدوان 2006 الذي استمر 34 يوماً، وخلف دماراً هائلاً في البنية التحتية اللبنانية شمل الجسور ومحطات الكهرباء والمطارات. وقد بلغت الفاتورة الاقتصادية لتلك الحرب نحو سبعة مليارات دولار، في ظل سياسة الأرض المحروقة التي اتبعها الاحتلال للضغط على الحاضنة الشعبية للمقاومة.

تؤكد المصادر التاريخية أن عملية 'الوعد الصادق' التي نفذها حزب الله في يوليو 2006 كانت تهدف لتحرير الأسرى، لكن الرد الإسرائيلي تجاوز كل الحدود العسكرية مستهدفاً المدنيين بشكل مباشر. وتعتبر مجزرة مرجعيون نموذجاً صارخاً لسياسة استهداف النازحين التي تكررت في مواقع أخرى مثل مروحين وقانا خلال ذات الحرب.

إن الذاكرة الحية لهذه المجزرة لا تزال تطالب بالعدالة والحقيقة، حيث يصر الناجون وذوو الشهداء على ملاحقة المسؤولين عن إصدار أوامر القصف. ولا تقتصر القضية على كونها حدثاً تاريخياً، بل هي جزء من ملف طويل من الانتهاكات التي لم يحاسب عليها الاحتلال دولياً حتى اليوم.

لقد أثبتت التحقيقات اللاحقة أن القافلة لم تكن تضم أي أهداف عسكرية، وأن جميع من كانوا على متنها هم مدنيون وعناصر أمنية بأسلحة خفيفة تم تجريدهم منها قبل المغادرة. هذا الواقع يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته تجاه حماية المدنيين في النزاعات المسلحة، خاصة في ظل تكرار ذات الأنماط الإجرامية.

ختاماً، تبقى مجزرة قافلة مرجعيون شاهداً على غدر الاحتلال الذي لا يحترم المواثيق الدولية ولا الضمانات التي يمنحها عبر الوسطاء. وتظل قصص الناجين الذين شهدوا ليلة الرعب في البقاع الغربي تروي فصولاً من الصمود اللبناني في وجه آلة الحرب التي لم تفرق بين طفل ومسعف وجندي.

إن توثيق هذه الجرائم يهدف إلى منع طمس الرواية الفلسطينية واللبنانية في مواجهة الدعاية الإسرائيلية التي تحاول دائماً قلب الحقائق. فالمجازر لا تسقط بالتقادم، وحق الضحايا في العدالة يظل قائماً ما دامت الذاكرة الجماعية تحفظ تفاصيل تلك الليلة الدامية في أغسطس 2006.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا