آخر الأخبار

أزمة أحمد الطنطاوي وتجفيف منابع المعارضين اقتصادياً في مصر

شارك

أثار الإعلان الأخير للسياسي المصري أحمد الطنطاوي، المرشح الرئاسي السابق وعضو مجلس النواب الأسبق، حول بحثه عن فرصة عمل في مجالات أكاديمية وإعلامية، موجة من الجدل حول واقع القيود الاقتصادية المفروضة على المعارضين. وأوضح الطنطاوي عبر حسابه الشخصي أنه يتطلع لتوظيف خبراته التي تمتد لـ 25 عاماً في الصحافة والبحث العلمي، بعد فترة من التضييق السياسي الذي انتهى بحبسه وحرمانه من خوض السباق الرئاسي الأخير.

تعتبر حالة الطنطاوي نموذجاً كاشفاً لما تصفه منظمات حقوقية بسياسة 'تجفيف المنابع' التي ينتهجها النظام المصري ضد الأصوات الناقدة. فبعد خروجه من السجن إثر قضية 'التوكيلات الشعبية'، وجد نفسه محاصراً في سوق العمل، حيث يخشى أصحاب الأعمال في القطاع الخاص من توظيف أي شخصية تحمل 'بروفايل معارض' تجنباً للمساءلة الأمنية أو الضغوط الإدارية.

وأفادت مصادر حقوقية بأن هذه الممارسات لا تقتصر على الرموز السياسية المعروفة فقط، بل تمتد لتشمل آلاف المواطنين الذين أُفرج عنهم بعد فترات اعتقال. هؤلاء يواجهون صعوبات بالغة في استخراج الأوراق الرسمية مثل 'صحيفة الحالة الجنائية'، مما يحرمهم من حقهم الطبيعي في الكسب والعيش الكريم، ويحول حياتهم إلى سجن كبير خارج الأسوار.

وفي شهادات وثقتها مصادر ميدانية، برزت قصص لموظفين عموميين في قطاعات التعليم والأوقاف، تم منعهم من العودة إلى وظائفهم بعد إخلاء سبيلهم. أحد الموجهين في وزارة التربية والتعليم حُرم من معاشه التقاعدي بدعوى الانقطاع عن العمل، رغم أن غيابه كان قسرياً بسبب الاحتجاز، وهو ما يعكس استغلال القوانين الإدارية كأدوات عقابية.

وتشير التقارير إلى أن التضييق المهني طال أيضاً السلك الأكاديمي، حيث تعرض أساتذة جامعيون للفصل أو الحرمان من الترقيات العلمية بسبب مواقفهم السياسية أو تضامنهم مع ذويهم المعتقلين. حالة الدكتورة منار الطنطاوي، أستاذة الهندسة، تبرز كواحدة من الحالات التي رُبط فيها المسار المهني بالولاء السياسي أو الصمت عن الانتهاكات.

المجال الإعلامي والثقافي لم يكن بعيداً عن هذه الضغوط، إذ وُضعت قوائم غير رسمية تمنع كتاباً وصحفيين بارزين من النشر في الصحف المحلية. أسماء مثل فهمي هويدي وعلاء الأسواني وجدت نفسها ممنوعة من مخاطبة الجمهور المصري عبر الوسائل التقليدية، مما اضطر الكثير منهم إلى الهجرة القسرية أو التوقف القهري عن الكتابة.

ويرى مراقبون أن النظام المصري نجح في خلق 'دولة خوف' داخل قطاع الأعمال، حيث بات القطاع الخاص شريكاً غير مباشر في العقاب السياسي. أصحاب المصانع والشركات يطلبون تدقيقات أمنية قبل التعيين، وأي إشارة إلى نشاط سياسي سابق تؤدي فوراً إلى استبعاد المرشح للوظيفة، خوفاً من سحب التراخيص أو الملاحقات الضريبية.

القصة ليست قصة الطنطاوي وحده، بل قصة بلد يتعامل مع الاختلاف السياسي كسبب لإهدار الكفاءات والخبرات الوطنية.

وقالت سمر الحسيني، مديرة المنبر المصري لحقوق الإنسان إن هذا النمط من العقاب يمثل انتهاكاً صارخاً للحقوق الاقتصادية والاجتماعية. وأكدت أن حرمان المواطن من العمل بناءً على انتمائه السياسي هو تمييز يخالف الدستور المصري والمعاهدات الدولية، ويهدف إلى تحويل المعارضة إلى عبء مالي ومعيشي على أصحابها.

من جانبه، أشار الباحث الحقوقي أحمد هلال إلى أن انسداد الأفق السياسي أدى إلى تحويل الخلاف مع السلطة إلى 'عداوات شخصية' تتبع تفاصيل حياة المعارض. واعتبر أن لجوء شخصية بوزن الطنطاوي لطلب العمل علناً هو صرخة رمزية تعبر عن وصول النخبة السياسية إلى مرحلة الاختناق المعيشي الكامل.

الضغوط لم تتوقف عند المنع من العمل، بل وصلت إلى حد تحطيم المشاريع التجارية الصغيرة التي يحاول المعتقلون السابقون البدء بها. وثقت شهادات حالات لفتح محال تجارية بسيطة تعرضت للمداهمة والتحطيم فور علم الأجهزة الأمنية بهوية مالكها، مما يغلق كافة أبواب الرزق أمام هؤلاء المواطنين.

وفي سياق متصل، غادر مصر عشرات الفنانين والإعلاميين بعد إغلاق برامجهم أو التضييق على شركات الإنتاج التي تتعامل معهم. فنانون مثل عمرو واكد وخالد أبو النجا وجدوا أنفسهم خارج المشهد الفني المصري تماماً، في إطار سياسة تهدف إلى توحيد الخطاب الإعلامي وتغييب أي صوت لا يتماشى مع الرواية الرسمية.

وتؤكد المصادر أن التقارير الأمنية باتت هي المعيار الأساسي للتعيين في المسابقات الحكومية، بما في ذلك وظائف القضاء والتدريس. ويتم استبعاد المتقدمين ليس بناءً على كفاءتهم، بل بناءً على 'الفيش الأمني' الذي قد يتضمن بيانات عن أقارب من الدرجة الرابعة يمارسون نشاطاً سياسياً معارضاً.

هذا الواقع دفع بالعديد من الكفاءات الوطنية إلى الهجرة للعمل في الخارج، مما يمثل خسارة كبرى للدولة المصرية. ويرى ناشطون أن الدول المتقدمة تتنافس على استقطاب الخبرات، بينما تعمل السلطات الحالية على إهدار هذه الثروات البشرية لمجرد اختلافها في الرأي مع توجهات السلطة التنفيذية.

ختاماً، يبقى ملف 'الحرمان من العمل' واحداً من أكثر الملفات تعقيداً في المشهد الحقوقي المصري، كونه يمس الحق في الحياة والبقاء. وبينما تنفي السلطات وجود سياسات ممنهجة، تظل قصص مئات المعارضين والملاحقين اقتصادياً شاهداً على استخدام لقمة العيش كسلاح في الصراع السياسي المستمر.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا