آخر الأخبار

حدود القوة العظمى: دروس من غزة وأوكرانيا وإيران

شارك

أظهرت التحولات المتسارعة في الصراعات الدولية خلال السنوات الأخيرة أن التفوق العسكري التقليدي لم يعد الضمانة الوحيدة لحسم النزاعات. ووفقاً لتقارير دولية، فإن القوى العظمى بدأت تدرك أن قدرتها على فرض السيطرة على الدول المستهدفة باتت تواجه عوائق تكنولوجية وميدانية غير مسبوقة.

يرى مراقبون أن التكنولوجيا الحديثة ساهمت في المساواة بين الدول القوية والضعيفة، مما جعل حروب الغزو التقليدية أمراً بالغ الصعوبة. وقد كشفت هذه التطورات أن القوى الكبرى لا تملك النفوذ المطلق الذي كانت تظن أنها تتمتع به في العقود الماضية.

رغم تبني بعض القادة العالميين لمبدأ 'القوة هي الحق' لإعادة تشكيل النظام الدولي، إلا أن الواقع الميداني أثبت عكس ذلك. فالمقولات التاريخية التي كانت تنص على أن الأقوياء يفعلون ما يشاؤون لم تعد تنطبق على تعقيدات الحروب المعاصرة.

تشير مصادر إلى أن الجيش الأمريكي، رغم إنفاقه الهائل على الذخائر بعيدة المدى واستهدافه لقيادات إيرانية، لم يتمكن من تحقيق نصر استراتيجي حاسم. ولا تزال طهران تحتفظ بقدرتها على إغلاق الممرات المائية الحيوية وإطلاق الصواريخ، مما يعكس حدود القوة العسكرية الأمريكية.

في المشهد الأوكراني، لم تنهَر كييف رغم الضغوط الدبلوماسية الكبيرة وقطع المساعدات العسكرية في مراحل معينة. بل تمكنت القوات الأوكرانية من قلب موازين الحرب وتوجيه ضربات موجعة في العمق الروسي، مستفيدة من التفوق التكنولوجي النوعي.

ساهمت الطائرات المسيرة والصواريخ الدقيقة منخفضة التكلفة في تقليص الفجوة بين الجيوش النظامية الضخمة والقوى الأصغر. وأكدت مصادر ديبلوماسية أن هذا التطور التكنولوجي حدَّ بشكل كبير مما يمكن أن تحققه القوة العسكرية المجردة في ساحات القتال.

تراقب الصين هذه التحولات باهتمام بالغ وهي تدرس خياراتها تجاه تايوان، حيث تدرك بكين أن الغزو العسكري لم يعد نزهة سهلة. ويبرز التساؤل حول ما إذا كانت القوة العسكرية وحدها قادرة على تحقيق أهداف سياسية بعيدة المدى في ظل المقاومة الشعبية.

إن نوع الحرب الذي اعتدنا عليه، ونوع الحرب التي كانت روسيا تُخطط لها في أوكرانيا - غزو واحتلال دولة - لم يعد وارداً في العالم المعاصر.

أكد وزير الدفاع الإيطالي غيدو كروسيتو أن نموذج حروب الغزو والاحتلال التقليدية بات من الماضي وغير قابل للتطبيق. وشدد على أن إرادة الشعوب في القتال تجعل من الصعب على أي قوة عظمى تحقيق انتصار سريع ودائم.

يبرز المثال الفلسطيني كدليل إضافي على هذه النظرية، حيث لم تحقق إسرائيل نجاحاً يذكر ضد فصائل المقاومة في قطاع غزة رغم الفارق الهائل في الإمكانيات. هذا الفشل الميداني يعزز القناعة بأن تغيير الأنظمة بالقوة العسكرية وحدها أصبح هدفاً بعيد المنال.

أقر قادة عسكريون في أوروبا بأن الهجمات الخاطفة التي تهدف لتغيير الأنظمة غالباً ما تنتهي إلى طريق مسدود يصعب اختراقه. ويرى خبراء أن الفشل في تحقيق حسم عسكري خلال الأسابيع الأولى من الصراع يعني الغرق في حرب استنزاف طويلة.

تاريخياً، واجهت واشنطن وموسكو هزائم في فيتنام وأفغانستان بسبب حركات التمرد الطويلة التي استنزفت الدعم الشعبي. لكن الفارق اليوم يكمن في عجز الجيوش عن تحقيق حتى الانتصارات العسكرية الأولية، كما حدث مع الدبابات الروسية قرب كييف.

أدت ثورة المسيرات والترسانات الصاروخية الدقيقة إلى تآكل الميزة الهائلة التي كانت تتمتع بها القوى العظمى في الاستطلاع والجو. وأصبح من المستحيل تصور هجمات مدرعة تقليدية تحقق أهدافها دون تكبد خسائر بشرية ومادية لا يمكن تحملها.

تسعى القوى المتوسطة، مثل كندا ودول أوروبية، إلى تعزيز تحالفاتها العسكرية والاقتصادية لتقليل الاعتماد على القطبين الأمريكي والصيني. ويرى محللون أن اتحاد هذه القوى يمنحها القدرة على مواجهة إملاءات القوى العظمى وفرض قرارات دولية مستقلة.

يبقى الدرس الأهم من صراعات العصر الحديث هو أن إرادة الشعوب والتكنولوجيا المبتكرة أعادت تعريف مفهوم القوة. فالعالم لم يعد ساحة مفتوحة للأقوياء فقط، بل أصبح مكاناً تملك فيه الدول الصغيرة أدوات فعالة للدفاع عن سيادتها.

القدس المصدر: القدس
شارك

الأكثر تداولا أمريكا حزب الله إيران

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا