آخر الأخبار

كتاب شهادات النازحين: توثيق تغريبة غزة الجديدة وحماية الذاكر

شارك

في محاولة جادة لحماية الذاكرة الفلسطينية من الاندثار، صدر حديثاً كتاب 'شهادات النازحين: حكايات لم تكتمل'، الذي يجمع بين دفتيه خمسين قصة واقعية من قلب المعاناة في قطاع غزة. يفتتح الكتاب بشهادة مؤثرة لرجل الأعمال فايز أبو عكر، الذي يصف النزوح بأنه موت ثانٍ للإنسان حين يرى تاريخه يتحول إلى رماد. وتجسد هذه الكلمات عمق الجرح الذي خلفته الحرب في نفوس مئات الآلاف ممن غادروا منازلهم قسراً.

يوضح أبو عكر في شهادته أن مأساة النزوح لا تقتصر على ترك الجدران والأسقف، بل في بقاء البيت حياً يسكن الذاكرة ويطارد صاحبه في اليقظة والمنام. فالمنازل التي هُجرت على أمل العودة القريبة، تحولت في أغلب الأحيان إلى أكوام من الركام، بينما ظلت الذكريات عالقة في قلوب أصحابها، عصية على النسيان رغم القصف والدمار المستمر.

ومن بين ثنايا الكتاب، تبرز قصة أريج صلاح، وهي أرملة تعيل خمسة أيتام، تروي كيف تحولت الأم في غزة إلى خط الدفاع الأخير عن أطفالها وسط الانهيار الشامل. وتؤكد أريج أن ضيق أماكن النزوح جعلها تدرك أن القوة الحقيقية لا تكمن في الحجر، بل في القدرة على الصمود النفسي من أجل البقاء وحماية صغارها من الجوع والخوف.

وتشير الشهادة إلى أن الحرب لا تسلب الممتلكات فحسب، بل تفرض على الأمهات معارك يومية قاسية للحفاظ على توازن أطفالهن النفسي. ففي رحلة النزوح المريرة، تضطر الأم لإخفاء خوفها وكتم ألمها لتمنح أبناءها طمأنينة زائفة في عالم يفتقر لأدنى مقومات الأمان، مما يجعل من دورها محوراً أساسياً في بقاء العائلة.

أما ندى جابر، النازحة من بيت حانون، فتسرد تفاصيل تنقلها بين مراكز الإيواء وصولاً إلى خيمة في مواصي خان يونس، حيث فقدت إيقاع حياتها الطبيعي بالكامل. وتصف ندى كيف أصبحت أبسط الاحتياجات اليومية، مثل رغيف الخبز أو جرعة الماء النظيفة، أحلاماً كبرى يصعب تحقيقها في ظل واقع التشرد القاسي الذي يفرضه الاحتلال.

وتؤكد جابر أن مشاركتها في هذا الكتاب لم تكن مجرد سرد عابر، بل هي محاولة لتوثيق وجع عائلتها الشخصي وتسجيل تفاصيل الفقد التي تسللت لحياتهم. لقد تحدثت بمرارة عن البيت الذي غادرته تحت وطأة القصف، وعن الأحلام التي توقفت فجأة، والذكريات التي بقيت معلقة بين جدران منزلها الذي صار أثراً بعد عين.

يأتي هذا العمل التوثيقي بمبادرة من الدكتور أحمد يوسف، مدير معهد بيت الحكمة، الذي عاش بنفسه تجربة النزوح وفقدان الممتلكات خلال الحرب الحالية. ويقول يوسف إن فكرة الكتاب نبعت من ضرورة حفظ الذاكرة الإنسانية للنازحين ونقل أصواتهم للعالم كما هي، بكل ما تحمله من وجع وصمود في وجه آلة الحرب.

يموت الإنسان مرتين؛ مرة حين يغادر بيته نازحًا، ومرة حين يكتشف أن تاريخه كله صار رمادًا.

ويرى المؤلف أن هذه الشهادات ليست مجرد قصص فردية، بل هي ذاكرة شعب كُتب عليه أن يحمل وطنه فوق أوجاعه في كل محطة من محطات اللجوء. ويعتبر الكتاب محاولة إنسانية لتوثيق واحدة من أكثر اللحظات إيلاماً في التاريخ الفلسطيني المعاصر، حيث يمتزج الوجع بالذاكرة ليعيد رسم ملامح النكبة من جديد.

ويشدد يوسف على أن النزوح الجماعي في قطاع غزة أعاد للأذهان مشاهد 'التغريبة الفلسطينية' ونكبة عام 1948، لكنها تبدو هذه المرة أكثر قسوة واتساعاً. فالكتاب يضم شهادات لنخبة متنوعة من الأكاديميين والسياسيين والإعلاميين، مما يمنحه بعداً شمولياً يعكس وحدة المعاناة رغم تنوع الخلفيات الاجتماعية والمستويات الثقافية.

من جانبه، يرى الأكاديمي ربحي الجديلي أن الكتاب يمثل امتداداً حقيقياً لروح التوثيق التاريخي، حيث يقدم تصويراً حياً لأهوال الحرب منذ السابع من أكتوبر. ويشير الجديلي إلى أن الشهادات المباشرة تسلط الضوء على تفاصيل دقيقة للدمار وفقدان المأوى، في سرد يوثق فصولاً من المأساة التي لم تنتهِ بعد، معتبراً إياه مرآة للصمود الفلسطيني.

وفي سياق متصل، يؤكد الإعلامي أحمد داوود أن أهمية الكتاب تكمن في قدرته على رواية ما عجزت الأرقام والإحصائيات عن نقله للعالم. فخلف كل رقم هناك إنسان يحمل ما تبقى من عمره في حقيبة صغيرة، ويغادر منزله وكأنه يقتلع جزءاً من روحه، وهو ما يحاول الكتاب تخليده بعيداً عن لغة الأخبار العابرة.

ويضيف داوود أن هذه الروايات تكشف كيف تتحول التفاصيل الصغيرة، مثل كوب شاي أو خيمة تقي الرياح، إلى قضايا وجودية في حياة النازح. ويشدد على أن المسؤولية الأخلاقية والتاريخية تقتضي حفظ هذه المعاني الإنسانية من النسيان، لأن الشعوب التي لا توثق آلامها تترك المجال لغيرها ليزيف روايتها الوطنية.

يختتم الكتاب بالتأكيد على أن هذه الشهادات ليست خطاباً سياسياً، بل هي أنين بشر عاشوا الجوع والنزوح وفقد الأحبة تحت القصف المستمر. إنها وثيقة أخلاقية تهدف إلى مواجهة محاولات التشويه والنسيان، وتثبيت الرواية الفلسطينية في سجل التاريخ كشهادة حية على الألم والأمل في آن واحد.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا