آخر الأخبار

تاريخ الحركة الإسلامية والوطنية في جنوب اليمن: عمر طرموم نمو

شارك

يُشكل مقال 'حركتنا في حاجة إلى منهاج' للمفكر اليمني الراحل عمر سالم طرموم، وثيقة تاريخية نادرة تكشف عن إرهاصات تشكل الوعي الإسلامي السياسي في جنوب اليمن. نُشر هذا النص لأول مرة في جريدة 'الفكر' العدنية عام 1957، في وقت كانت فيه مدينة عدن ترزح تحت وطأة الاستعمار البريطاني الذي بدأ منذ عام 1839، مما جعل المقال صرخة فكرية في وجه التغريب والشتات السياسي.

لم يكن عمر طرموم مجرد كاتب عابر في الصحافة العدنية، بل كان أحد الأعمدة المؤسسة للحركة الإصلاحية ذات الجذور الإسلامية. لقد سعى من خلال أطروحاته إلى إيجاد توليفة تجمع بين الهوية الدينية والعمل الوطني المقاوم، معتبراً أن التحرر من الاستعمار لا يكتمل إلا بالاستقلال الفكري والعودة إلى الجذور الثقافية للمجتمع اليمني.

عاشت عدن في خمسينيات وستينيات القرن الماضي حراكاً ثقافياً وسياسياً استثنائياً، حيث تحولت صحافتها إلى ميدان للمناظرات الكبرى بين الأيديولوجيات المتصارعة. كانت المدينة فضاءً مفتوحاً تفاعلت فيه تيارات متباينة، حاولت كل منها تقديم رؤيتها لمستقبل الجنوب اليمني في مرحلة ما قبل الاستقلال، مما خلق حالة من الوعي المتقدم لدى الجماهير.

برز في تلك الحقبة التيار اليساري الماركسي بقيادة عبد الله باذيب، الذي تبنى خطاباً ثورياً متأثراً بالأدبيات الاشتراكية العالمية. دافع باذيب عن الرؤية الطبقية والتحول الثوري الجذري، معتبراً إياها الطريق الوحيد لمواجهة الإمبريالية البريطانية وتحقيق العدالة الاجتماعية في المجتمع العدني والجنوبي بشكل عام.

في المقابل، قاد عمر سالم طرموم الاتجاه الوطني الإصلاحي الإسلامي، مؤكداً أن الإسلام يمثل الإطار القادر على حماية الهوية الوطنية من الذوبان. ورأى طرموم أن المرجعية الإسلامية هي القوة الوحيدة القادرة على تعبئة الجماهير بشكل حقيقي، لأنها تنبع من وجدانهم وعقيدتهم الراسخة، وليست مشروعاً مستورداً من الخارج.

أما التيار الثالث فكان القومي العروبي، الذي مثله شخصيات بارزة مثل عبد الله الأصنج ومحمد سالم باسندوة. تأثر هذا التيار بالموجة الناصرية والبعثية الصاعدة في المنطقة العربية، وطرح مفاهيم الوحدة والتحرر القومي، قبل أن يظهر فرع حركة القوميين العرب بقيادة فيصل عبد اللطيف الشعبي وسلطان أحمد عمر.

في مقاله الشهير، انتقد طرموم الرؤية السطحية التي تحصر أزمة الهيئات السياسية في الجوانب التنظيمية واللوجستية فقط. وأكد أن توفير 'اللجان المتفرغة' والمكاتب، رغم أهميته، لا يمكن أن يصنع حركة وطنية ناجحة ما لم يستند ذلك التنظيم إلى 'منهاج' فكري واضح ومنسجم مع ثقافة الشعب.

إن الحركة الوطنية في أشد الحاجة إلى منهاج إسلامي، وأي منهاج لا يستمد أصوله من الإسلام فهو مرفوض.. سترفضه الجماهير.

شدد طرموم على أن أي حركة وطنية تنتقل إلى مرحلة الكفاح الجديدة، تحتاج إلى مراجعة فكرية عميقة ودراسة لنفسية الجماهير. واعتبر أن 'المنهاج الإسلامي' هو الضمانة الوحيدة لمنع الفتور أو الانتكاس في مسيرة التحرر، لأنه يمد المناضلين بالوقود الروحي اللازم للاستمرار في مواجهة التحديات والمفاجآت السياسية.

تظهر في كتابات طرموم مفاهيم مركزية مثل 'الدعوة الإسلامية' و'الجماهير المسلمة'، وهي مصطلحات تعكس تأثره بالمدرسة الإصلاحية العربية المعاصرة. ومع ذلك، تميز طرموم بقدرته على إسقاط هذه المفاهيم الكلية على الواقع المحلي في جنوب اليمن، وربطها بشكل مباشر بقضية التحرر من الاستعمار البريطاني.

تميز أسلوب طرموم بلغة خطابية حماسية كانت سائدة في منتصف القرن العشرين، حيث اعتمد على الثنائيات الفكرية مثل 'التنظيم والفكرة'. أراد من خلال هذا الأسلوب التأكيد على أن القوة المادية للحركات السياسية تظل قاصرة ما لم تسندها قوة معنوية مستمدة من هوية المجتمع وتاريخه العريق.

تكمن أهمية إعادة قراءة هذا المقال اليوم في فهم الجذور التاريخية للتعددية السياسية في اليمن، وكيف تشكلت الهويات الحزبية الأولى. فالمقال ليس مجرد رأي شخصي، بل هو شهادة حية على صراع الأفكار الذي سبق قيام الثورة والاستقلال، ويوضح كيف حاول التيار الإسلامي حجز مكانه في خارطة العمل الوطني.

أشار طرموم إلى أن الشعب العربي اليمني يدين بالإسلام كعقيدة تنظم حياته وعلاقاته، وبالتالي فإن أي منهاج سياسي يتجاهل هذه الحقيقة مصيره الفشل. وحذر من أن الجماهير سترفض أي مشاريع لا تستمد أصولها من قيمها الدينية، وهو ما اعتبره استشرافاً لمستقبل الصراعات السياسية في المنطقة.

ساهمت كتابات طرموم في بلورة تصور متكامل يربط بين الإصلاح المجتمعي والعمل السياسي المنظم، وهو ما مهد الطريق لظهور حركات إسلامية أكثر تنظيماً في العقود التالية. لقد وضع اللبنات الأولى لمشروع وطني بمرجعية إسلامية، حاول من خلاله موازنة الضغوط الاستعمارية والمد الأيديولوجي الوافد.

ختاماً، يظل مقال 'حركتنا في حاجة إلى منهاج' وثيقة لا غنى عنها للباحثين في تاريخ جنوب اليمن المعاصر. فهو يجسد حيوية مدينة عدن التي كانت منارة للفكر والسياسة، ويكشف عن الدور الريادي للمفكرين الأوائل الذين حاولوا صياغة نهضة وطنية شاملة تنطلق من الذات الحضارية للأمة.

القدس المصدر: القدس
شارك

الأكثر تداولا اسرائيل لبنان إيران

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا