سلطت الكاتبة التونسية سمية الغنوشي الضوء على المآسي المستمرة في قطاع غزة، معتبرة أن ما يروج له المجتمع الدولي حول وجود وقف لإطلاق النار ليس سوى رواية مزيفة تتوارى خلفها جرائم يومية. وأكدت الغنوشي أن صور العيد القادمة من القطاع كشفت عن واقع مرير يتناقض تماماً مع الخطاب السياسي الهادئ الذي تحاول العواصم الغربية تسويقه.
وذكرت الكاتبة أن الاحتلال يواصل تنفيذ مخططاته التوسعية وعدوانه العسكري المباشر على المدنيين، في محاولة واضحة لتهجيرهم قسرياً خارج حدود القطاع. ويأتي هذا التصعيد في ظل صمت دولي مطبق، بل وتواطؤ في تزييف الحقائق عبر الادعاء بصمود الهدنة بينما تسيل دماء الفلسطينيين في الشوارع والأسواق.
ورصد المقال مشاهد مأساوية من أيام العيد، منها استشهاد الأم 'هداية' أمام بناتها أثناء شراء ملابس العيد، واحتراق خيام النازحين التي لم تعد توفر أي حماية لمستقليها. هذه الأحداث تؤكد أن آلة الحرب الإسرائيلية لا تفرق بين مناسبة دينية أو منطقة نزوح، بل تستهدف الوجود الفلسطيني في كل مكان.
وأشارت الغنوشي إلى أن الإحصائيات الصادرة عن مصادر أممية تؤكد استشهاد أكثر من 26 فلسطينياً خلال أيام العيد وحدها، معظمهم من النساء والأطفال. هذه الأرقام تجعل الجدال حول وجود الهدنة من عدمه بلا قيمة بالنسبة للضحايا الذين يقتلون في الحالتين، مما يكشف حجم الخداع في الخطاب السياسي الحالي.
وتشير التقارير إلى أن قوات الاحتلال قتلت نحو 1000 فلسطيني منذ إعلان ما يسمى بهدنة أكتوبر، مما رفع الحصيلة الإجمالية للشهداء والمفقودين إلى قرابة 73 ألفاً. هذا الواقع يثبت أن الجانب الفلسطيني التزم بالتهدئة إلى حد كبير، بينما استمر الاحتلال في خرقها بشكل منهجي ويومي دون رادع.
وانتقدت الكاتبة التعريف الدولي الجديد للهدنة، والذي يبدو أنه يمنح الاحتلال الحق في شن الغارات وهدم المنازل وقتل المدنيين دون أن يوصف ذلك بالخرق. وفي المقابل، تضج العناوين الإخبارية بالاتهامات حول 'التصعيد' إذا ما صدر أي رد فعل بسيط من داخل قطاع غزة المحاصر.
واعتبرت الغنوشي أن هذا التزييف يهدف إلى إزاحة قضية غزة من صدر العناوين الإخبارية العالمية، وتخفيف الضغط الشعبي عن الحكومات الغربية. هذا المناخ يفسح المجال للاحتلال لمواصلة هجومه، بينما يسوق القادة السياسيون أنفسهم كصناع سلام عبر مبادرات وهمية لا رصيد لها على أرض الواقع.
وتوقفت الكاتبة عند دور توني بلير، رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، واصفة تصريحاته حول 'خطة إنهاء الحرب' بأنها قمة الخداع السياسي. وتساءلت الغنوشي عن مصير الضحايا الذين سقطوا في العيد، مؤكدة أن بلير يتجنب الإجابة عن هوية الطرف الذي يشن الغارات اليومية ويوسع سيطرته العسكرية.
كما كشفت عن تهاوي وعود 'مجلس السلام' المزعوم، حيث اختفت خطط إعادة الإعمار ودخول القوات الدولية في صمت مريب. وأشارت مصادر صحفية دولية إلى أن صندوق هذا المجلس بات فارغاً تماماً، مما يؤكد أن المهمة الحقيقية كانت إدارة التصورات العامة وليس وقف حرب الإبادة.
وفي سياق متصل، لفتت الغنوشي إلى تصريحات بنيامين نتنياهو التي يتباهى فيها بالسيطرة على 60% من مساحة القطاع، وسعيه لرفع هذه النسبة. هذه التصريحات، تزامناً مع دعوات وزرائه لـ 'الهجرة الطوعية'، تكشف النوايا الحقيقية للاحتلال في تحويل غزة إلى منطقة خاضعة بالكامل لسيطرته.
وحذرت الكاتبة من أن غياب العواقب الدولية ولد حالة من الغطرسة لدى الاحتلال، مما أدى إلى انتقال ذات الأنماط الإجرامية إلى لبنان. فالمشاهد القادمة من الجنوب اللبناني، من تدمير للبلدات واستهداف للصحفيين والمنشآت الطبية، باتت نسخة مكررة لما حدث ويحدث في خان يونس وغزة.
وأوضحت أن استهداف القطاع الصحي في غزة وصل لمستويات غير مسبوقة عالمياً، حيث استشهد أكثر من 1700 كادر طبي منذ بدء العدوان. هذا النمط الذي تم تطبيعه في غزة بدأ يتمدد الآن إلى لبنان، مما يرسل رسالة واضحة بأن الحصانة الممنوحة للاحتلال ستؤدي إلى توسع رقعة الاستهداف.
وتطرقت الغنوشي إلى تصريحات جوناثان بولارد التي اعتبرت المواجهة مع إيران مجرد تمهيد لاستهداف دول مثل تركيا ومصر مستقبلاً. ورغم أن هذه الدول وسيطة في المفاوضات، إلا أن العقلية الإسرائيلية التي صاغها الإفلات من العقاب لا تضع حدوداً لعدوانها العسكري المستقبلي.
وختمت الكاتبة مقالها بالتأكيد على أن غزة تظل هي القضية المركزية والمرتكز لكل ما يحدث في الشرق الأوسط، لأنها البقعة التي أزيلت فيها كل الخطوط الحمراء. فما جُرب واختُبر في غزة من عقاب جماعي وتهجير، سيظل يهدد المنطقة بأكملها ما لم يواجه الاحتلال عواقب حقيقية لأفعاله.
المصدر:
القدس