آخر الأخبار

خلاف الأزهر والسيسي: صراع الصلاحيات وقانون الأحوال الشخصية

شارك

تعود جذور التوتر المكتوم بين مشيخة الأزهر والنظام السياسي في مصر إلى الواجهة مجدداً، مدفوعةً بملف مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد. ويرى مراقبون أن إصرار السلطة على تجاوز المرجعية الدينية في صياغة القوانين ذات الصبغة الشرعية يمثل حلقة جديدة من محاولات بسط السيطرة الكاملة على المؤسسة العريقة.

لقد بدأت ملامح هذا الصدام تتشكل بوضوح منذ عام 2014، حين أعلن الرئيس المصري مسؤوليته المباشرة عن القيم والأخلاق والدين. وتجسد هذا التوجه في السعي لفرض تغييرات جوهرية على مسألة الطلاق الشفهي، وهي قضية فقهية دقيقة يراها الأزهر تمس استقرار الأسرة وبنيان المجتمع الشرعي.

في المقابل، يواجه الأزهر ضغوطاً مزدوجة؛ فبينما يحاول النظام تقليص نفوذه الدستوري، تسعى أطراف في المعارضة لاستغلال مواقف المشيخة وتصويرها كحركة تمرد سياسي. هذا الاستقطاب يضع الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب في موقف حرج يتطلب موازنة دقيقة بين الحفاظ على استقلال المؤسسة وتجنب الصدام المباشر الذي قد يعصف بمكانتها.

تاريخياً، سجلت الأروقة المغلقة والعلنية مواقف صلبة لشيخ الأزهر في مواجهة طلبات أمنية وسياسية متكررة. فقد رفض الإمام الأكبر إقصاء شخصيات علمية وفكرية من الهيئات التابعة للأزهر رغم الضغوط المكثفة، معتبراً أن المعايير العلمية هي الحاكم الوحيد داخل المشيخة.

ومن أبرز تلك المواقف رفض الشيخ الطيب إخراج الراحل الشيخ يوسف القرضاوي من هيئة كبار العلماء، مفضلاً انتظار استقالته الطوعية لرفع الحرج. كما تمسك ببقاء الدكتور محمد عمارة والمستشار محمد عبد السلام في مناصبهم، مؤكداً على استقلالية القرار الإداري والعلمي للأزهر بعيداً عن الإملاءات الخارجية.

وعلى الصعيد الفقهي، أثار رفض الأزهر تكفير منتسبي تنظيم داعش جدلاً واسعاً، حيث استندت المشيخة إلى قاعدة التفريق بين الجريمة والمعتقد. وأوضحت مصادر أزهرية حينها أن فتح باب التكفير يمثل خطراً داهماً على السلم المجتمعي، مؤكدة أن العقاب يجب أن يكون قانونياً على الجرائم المرتكبة لا على الأفكار.

شهد عام 2016 ذروة الصدام العلني حين طالب الرئيس المصري علناً بمنع الطلاق الشفهي خلال احتفالات عيد الشرطة. هذا الطلب قوبل بصمت مدروس من الأزهر لأكثر من عام، قبل أن تخرج هيئة كبار العلماء ببيان تاريخي حمل عنوان 'بيان للناس' لحسم الجدل الفقهي.

إن هيئة كبار العلماء في الأزهر الشريف هي المرجعية العلمية العليا المسؤولة عن البت في المسائل الدينية والقضايا الاجتماعية ذات الطابع الأخلاقي.

أكد بيان الهيئة في فبراير 2017 أن توثيق الطلاق لا يحل أزمة التفكك الأسري، بل يكمن الحل في رعاية الشباب وتثقيفهم وحمايتهم من المخدرات. ووجهت الهيئة رسالة ضمنية تدعو المسؤولين للتركيز على تحسين سبل العيش الكريم بدلاً من الانشغال بتغيير الأحكام الشرعية المستقرة.

لم تتوقف المحاولات عند الجانب الفقهي، بل امتدت لتشمل البنية التشريعية للمؤسسات الدينية في مصر. ففي عام 2020، حاول البرلمان تمرير قانون ينقل تبعية دار الإفتاء إلى وزارة العدل، في خطوة اعتبرها الأزهر محاولة لتقزيم دوره التاريخي وشرذمة المرجعية الدينية.

تدخل الإمام الأكبر شخصياً في اللحظات الأخيرة، مطالباً بحضور جلسات البرلمان لمناقشة القانون، مما اضطر المجلس لسحب المشروع مؤقتاً. هذه الواقعة أثبتت أن الأزهر لا يزال يمتلك أدوات للمناورة والدفاع عن كيانه الدستوري رغم التضييقات المستمرة.

عاد السجال مرة أخرى في مارس 2023، حين أعلن الرئيس المصري تحمله 'الإثم' في حال كان منع الطلاق الشفهي مخالفاً للشرع. هذا التصريح أثار حفيظة الأوساط الدينية التي رأت فيه تجاوزاً غير مسبوق على اختصاصات كبار العلماء واجتهادات المذاهب الفقهية الأربعة.

اليوم، يتكرر المشهد مع تجاهل النظام عرض مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسلمين على الأزهر، في حين تم عرضه على الكنائس المصرية. هذا التمييز في التعامل الإجرائي يعكس رغبة السلطة في تحييد صوت المشيخة في القضايا التي تهم قطاعاً واسعاً من الشعب المصري.

إن محاولات المعارضة لتصوير الأزهر كخصم للنظام قد تؤدي إلى نتائج عكسية تضعف موقف المؤسسة أمام الضربات الأمنية. فالمصلحة الحقيقية تقتضي بقاء الأزهر مؤسسة جامعة للأمة، بعيدة عن التجاذبات السياسية الآنية التي قد تستهلك رصيدها التاريخي.

ختاماً، يبقى التحدي الأكبر أمام مشيخة الأزهر هو الحفاظ على دورها كمرجعية وسطية في ظل مناخ سياسي يتسم بالاستقطاب الشديد. إن رفع الأيدي عن الأزهر وتركه يؤدي رسالته العلمية والدينية هو الضمانة الوحيدة للحفاظ على هوية المجتمع وتماسكه في مواجهة الأزمات.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا