في مشهد يجسد قسوة الواقع السكني في قطاع غزة، تضطر عائلات فلسطينية للتعايش مع منازل مالت جدرانها وأرضياتها بفعل الغارات الإسرائيلية. هبة عرفات، إحدى القاطنات في هذه الأبنية، تصف كيف تتحول ساعات النوم إلى صراع مع الجاذبية، حيث يستيقظ أفراد أسرتها ليجدوا أنفسهم قد انزلقوا بعيداً عن أماكنهم الأصلية نتيجة ميلان الأرضية.
تؤكد هبة أن العيش في هذه البيئة غير المتزنة تسبب لأفراد أسرتها بأمراض مزمنة تتعلق بفقدان التوازن، منها الصداع المستمر والدوخة وآلام المفاصل والظهر. وتضيف أن أبسط المهام اليومية، مثل وضع زجاجة ماء أو الطهي على موقد الغاز، باتت تتطلب ابتكار وسائل لإسناد الأشياء ومنعها من الانزلاق أو الانقلاب، مما يحول الروتين إلى عبء جسدي ونفسي.
المخاطر لا تتوقف عند الجانب الصحي، بل تمتد إلى السلامة الجسدية المباشرة، حيث يتعرض الأطفال والكبار للانزلاق والتعثر المتكرر أثناء الحركة داخل المنزل. وتصف هبة حالة من الإرباك البصري تصيب السكان، إذ تبدو البيوت المستقيمة المحيطة بهم مائلة عند النظر إليها من نوافذ منزلهم الذي يتوهمون استقامته تحت تأثير الاعتياد.
ورغم هذه الظروف الخطيرة، يجد السكان أنفسهم مجبرين على البقاء تحت أسقف مهددة بالانهيار، معتبرين أن مرارة العيش في منزل مائل تظل أخف وطأة من العودة إلى الخيام ومراكز الإيواء. هذه المفاضلة القاسية تعكس حجم الأزمة السكنية الخانقة التي خلفها الدمار الواسع في البنية التحتية والوحدات السكنية بجميع مناطق القطاع.
في نموذج آخر للمعاناة، يقطن صالح أحمد في مبنى يبلغ انحرافه نحو متر وعشرين سنتيمتراً، ويضم خمس عائلات يبلغ عددهم نحو 50 فرداً. يشير صالح إلى أن الميلان أثر حتى على أداء العبادات، حيث يجد المصلون صعوبة بالغة في السجود والاستقرار على الأرض، مما يتطلب مجهوداً عضلياً إضافياً لمقاومة انزلاق الجسد.
القلق الأكبر الذي يطارد سكان هذه الأبنية هو وقوع أي قصف قريب، إذ يخشون أن تؤدي الاهتزازات الارتدادية إلى انهيار المبنى بالكامل. فالمباني التي فقدت أساساتها باتت تعتمد على أعمدة متفرقة ومتهالكة لا تضمن الحد الأدنى من الأمان الإنشائي، مما يجعلها قبوراً محتملة لقاطنيها في أي لحظة.
من الناحية الهندسية، يحذر المختص في المنشآت الآيلة للسقوط، المهندس محمود عبيد، من أن هذه البيوت فقدت عناصر ارتكازها الأساسية على التربة. ويوضح أن الأساسات لم تعد تؤدي وظيفتها الإنشائية، مما يجعل تصنيفها الهندسي 'آيلة للسقوط' بشكل قطعي، حتى لو بدت للعيان متماسكة أو صلبة في بعض أجزائها.
ويؤكد عبيد أن هذه المباني تقف فعلياً على 'شفا جرف هار'، وأن خطر انهيارها قائم في أي لحظة وبشكل مفاجئ، مما قد يؤدي إلى نتائج كارثية. ويشير إلى أن هذه الظاهرة باتت تغطي مساحات واسعة من قطاع غزة، حيث تضررت آلاف الوحدات السكنية بدرجات متفاوتة من الميلان والضعف الإنشائي غير المرئي.
إلى جانب المخاطر الإنشائية، يبرز البعد النفسي والسلوكي كأحد أخطر تداعيات العيش في بيئات غير متزنة، حيث يؤكد خبراء أن غياب الاستقرار المكاني يؤدي إلى اضطرابات القلق والاكتئاب. فالإنسان مهيأ فطرياً للعيش فوق أرضيات مستوية، والخلل في هذا التوازن يرسل إشارات إجهاد مستمرة للجهاز العصبي.
وتأتي هذه المعاناة في ظل استمرار سلطات الاحتلال في عرقلة جهود إعادة الإعمار ومنع دخول المواد اللازمة لترميم ما دمرته الحرب. ورغم مرور أشهر على توقف العمليات العسكرية، إلا أن الركام الذي يقدر بنحو 60 مليون طن لا يزال يغلق الأفق أمام العائلات التي تحلم ببيت آمن ومستقيم.
وتشير تقديرات وزارة الأشغال والإسكان الفلسطينية إلى أن آلة الحرب الإسرائيلية دمرت نحو 90% من منازل القطاع وبنيته التحتية بشكل مباشر أو غير مباشر. هذا الدمار الشامل حول غزة إلى منطقة منكوبة سكنياً، حيث تفتقر مئات آلاف العائلات إلى مأوى يحقق الحد الأدنى من المعايير الإنسانية والهندسية.
ووفقاً لبيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، فإن أكثر من 330 ألف وحدة سكنية تضررت كلياً أو جزئياً، وهو ما يمثل أكثر من 70% من إجمالي الوحدات في القطاع. هذه الأرقام الصادمة تفسر لماذا يختار الفلسطينيون المخاطرة بحياتهم داخل المنازل المائلة، في ظل انعدام أي خيارات بديلة تلوح في الأفق القريب.
المصدر:
القدس