خلصت دراسة اجتماعية حديثة أعدتها الباحثة الفلسطينية الدكتورة همت زعبي، إلى أن الجريمة المتفشية في البلدات العربية داخل الخط الأخضر لم تعد مجرد انحراف سلوكي، بل باتت تشكل تهديداً استراتيجياً ينطوي على 'حوكمة عنيفة'. وأوضحت الدراسة المنشورة عبر مؤسسة الدراسات الفلسطينية أن منابع هذه الظاهرة تتجاوز مجرد التواطؤ الأمني الإسرائيلي، لتصل إلى جذور بنيوية مرتبطة بتراجع العمل السياسي الجماعي وتفكك الأطر الوطنية.
وتقترح زعبي، المقيمة في برلين والمنحدرة من مدينة الناصرة أن مواجهة هذا التمدد الإجرامي لا يمكن أن تقتصر على الاحتجاجات التقليدية أو السياسات القطرية المعزولة عن المجتمع. ودعت الباحثة إلى ضرورة إعادة بناء النسيج الاجتماعي من القاعدة إلى القمة، وتعزيز الثقة المفقودة بين المكونات المحلية، مع تطوير تنسيق مستمر بين التنظيمات القاعدية لضمان مواجهة شاملة تتجاوز ردود الفعل الآنية.
وتعقد الدراسة مقارنة تحليلية بين واقع الجريمة المنظمة في أراضي 48 وبين نماذج مشابهة في بلدان أمريكا الجنوبية، ليس من باب الاستنساخ، بل لتسليط الضوء على الشروط البنيوية المتشابهة. وترى زعبي أن هذه المقارنة تساعد في فهم كيف يتحول العنف إلى أداة فاعلة في المجتمعات المهمشة، وكيف يمكن التفكير في شروط المواجهة الجماعية لمواجهة سياسات الإفقار والتهميش المتعمد.
وتؤكد الباحثة أن الجريمة المنظمة في السياق الاستعماري لا يمكن فصلها عن تاريخ طويل من نزع الملكية والتهميش السياسي الذي تمارسه مؤسسات الدولة الإسرائيلية. ومع ذلك، تركز الدراسة على الكيفية التي تحولت بها هذه الجريمة إلى نمط لإدارة الحياة اليومية، حيث تعيد ترتيب العلاقات والسلطات داخل المجتمع الفلسطيني وتحدد شروط البقاء والعمل تحت وطأة التهديد الدائم.
وتنطلق الورقة البحثية من فرضية أن الجريمة أصبحت 'شرطاً حاكماً' يعيد صياغة علاقة الأفراد بالمكان وبمؤسسات الحكم الرسمية وغير الرسمية على حد سواء. وتظهر الأدبيات الاجتماعية أن الجماعات الإجرامية تسعى لإنتاج شكل من الضبط الاجتماعي، يصبح فيه العنف هو الوسيلة الأساسية لتنظيم السلوك وفرض قواعد الحركة والتنقل، وحتى اختيار أماكن السكن والعمل.
وتشير زعبي إلى أن حالة فلسطينيي 48 تطورت ضمن سياق 'عملية مزدوجة' تتمثل في انسحاب متعمد للدولة من مسؤولياتها في توفير الأمن المدني، مقابل حضور أمني واستخباراتي مكثف يهدف للقمع السياسي. هذا الفراغ المتعمد سمح لعصابات الإجرام بالنمو والتحول إلى قوة اقتصادية تسيطر على مفاتيح التنمية داخل القطاع الخاص الفلسطيني، مما زاد من تعقيد المشهد الاجتماعي.
وقد رصدت الدراسة تحولاً نوعياً في عمل هذه العصابات، حيث انتقلت من الجرائم التقليدية إلى فرض الإتاوات والسيطرة على ميزانيات السلطات المحلية العربية. وأوضحت أن هذا التغلغل وصل إلى حد التدخل في العطاءات الحكومية والتأثير على نتائج الانتخابات البلدية، مما جعل المؤسسات المحلية رهينة لمراكز القوى الإجرامية التي تبني ثرواتها من دماء المجتمع.
وتربط الباحثة بين هذا التدهور وبين تراجع التشكلات السياسية الجمعية وتصدع الحركة الوطنية الفلسطينية في الداخل، بالإضافة إلى تآكل نفوذ الأحزاب والنقابات. هذا الغياب السياسي جعل قطاعات واسعة من المجتمع، بما في ذلك المقاولون والتجار، مكشوفين أمام الابتزاز في ظل غياب فعلي للشرطة الإسرائيلية التي قد تكون أحياناً على علم بهذه الجرائم أو مستفيدة منها.
وتتماشى هذه الخلاصات مع اتهامات لجنة المتابعة العليا، التي تؤكد أن المؤسسة الإسرائيلية أطلقت يد الجريمة منذ هبة القدس والأقصى عام 2000 كإجراء عقابي. وترى اللجنة أن الهدف من هذا الصمت الأمني هو إشغال الفلسطينيين في الداخل بنزاعاتهم الداخلية وصرف أنظارهم عن القضايا الوطنية والسياسية الجوهرية التي تمس وجودهم وحقوقهم.
وتتابع زعبي موضحة أن الجريمة المنظمة دخلت مفاصل الحياة كلها، وأصبح ينظر إليها كأحد أشكال 'الحوكمة والضبط' التي تتقاطع مع منطق الحكم القائم. وفي ظل غياب الأمان، تحولت عصابات الإجرام إلى وسيلة حكم تدار بواسطة الترهيب، مما دفع ببعض الفئات المهنية كالأطباء والمثقفين للجوء إليها أحياناً لطلب الحماية أو حل النزاعات.
وتحذر الدراسة من أن هذا الواقع يشير إلى فراغ تنظيمي عميق يتطلب بناء سلطة اجتماعية مضادة متجذرة في المجتمع نفسه لمواجهة هذا التغول. وتشدد زعبي على أن 'المحلي' هو موقع الإمكان الوحيد للفعل الجماعي، حيث يمكن من خلاله إعادة إنتاج علاقات الثقة وتطوير شبكات تنسيق تؤدي وظائف مؤسساتية تحمي الحياة اليومية للسكان.
ويتطلب هذا المسار انخراطاً فعلياً من الفاعلين المركزيين في المجتمع، بمن في ذلك المربون والأطباء ومديرو المؤسسات وأصحاب المصالح الاقتصادية. وترى الباحثة أن الخروج من المبادرات المعزولة إلى تنظيمات محلية مستقلة على مستوى القرية والمدينة هو السبيل الوحيد لإعادة بناء البنية الاجتماعية التي جرى تفكيكها بشكل منهجي على مدار عقود.
وفيما يتعلق بالمستوى السياسي القطري، تنبه زعبي إلى ضرورة وجود علاقة تكاملية لا تنافسية مع التنظيمات المحلية، محذرة من اختلاف مصادر الشرعية بين الطرفين. فالعمل المحلي ينبثق من هم وجودي مرتبط بحماية الحياة، بينما تتحرك السياسة القطرية غالباً ضمن حسابات تمثيلية وحدود تفرضها منظومة الحكم الإسرائيلية، مما يتطلب حذراً في التعامل.
وتختتم الدراسة بالتأكيد على أن الدور الفاعل للسياسي القطري يشترط الالتزام بدعم التنظيمات المحلية وحمايتها من الاحتواء أو التفريغ، بدلاً من السعي لقيادتها. إن استعادة الأمان في مناطق 48 تتطلب مساراً طويلاً من العمل القاعدي الذي يضع حماية الإنسان الفلسطيني فوق أي اعتبارات سياسية ضيقة، لمواجهة مشروع التفكيك الذي تقوده الجريمة المنظمة.
المصدر:
القدس