آخر الأخبار

مهمة الكناري: كيف تلاحق إسرائيل ناشطي فلسطين في أمريكا؟

شارك

منذ عام 2015، تحول موقع 'مهمة الكناري' (Canary Mission) إلى كابوس يلاحق الطلبة والأكاديميين الداعمين للقضية الفلسطينية في الجامعات الأمريكية والأوروبية. انطلق الموقع في وقت بدأت فيه إسرائيل تشعر بالخطر الحقيقي من تنامي حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات (BDS)، والتي صُنفت كتهديد استراتيجي أول لدولة الاحتلال خارج حدودها الجغرافية.

يعمل الموقع كمنصة استخباراتية ودعائية متكاملة، حيث يقوم بجمع بيانات شخصية دقيقة تشمل أرقام الهواتف، وعناوين المنازل، وحتى أسماء أطفال الناشطين. تهدف هذه الحملات الممنهجة إلى تحويل حياة الداعمين لفلسطين إلى 'جحيم فعلي' عبر التشهير بهم وبعائلاتهم لثنيهم عن نشاطهم السياسي والحقوقي.

المفاجأة الكبرى التي كشفتها تقارير إعلامية مؤخراً تكمن في اعتماد وكالات إنفاذ القانون الأمريكية، مثل مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) ووكالة الهجرة والجمارك (ICE)، على بيانات الموقع. تُستخدم هذه القوائم الجاهزة كمرجع أمني لمراقبة الفلسطينيين والعرب، والتحقيق معهم، وصولاً إلى اتخاذ قرارات بالترحيل من الولايات المتحدة.

يسعى القائمون على 'مهمة الكناري' إلى قطع أرزاق الناشطين من خلال وسمهم بـ'معاداة السامية' ونشر أسمائهم على نطاق واسع بين الشركات ورجال الأعمال. وقد سجلت شهادات عديدة لطلبة فقدوا فرصهم الوظيفية أو طُردوا من أعمالهم بعد إدراج أسمائهم في هذه القوائم السوداء التي تلاحقهم لسنوات طويلة.

رغم السرية التي تحيط بهوية الممولين، تشير التحقيقات إلى شبكة معقدة من رجال الأعمال والمنظمات الصهيونية النافذة. يبرز اسم الملياردير آدم ميلستين، المرتبط بعلاقات وثيقة مع الإدارة الأمريكية، كأحد المحركين الرئيسيين لهذه المنظومة، رغم محاولاته المستمرة لنفي علاقته المباشرة بإدارة الموقع.

تتلقى المنصة دعماً مالياً ضخماً من مؤسسات يهودية أمريكية تحت غطاء 'العمل الخيري' والإعفاءات الضريبية. ومن بين هذه الجهات مؤسسة عائلة ناتان وليديا بيساش، التي قدمت مبالغ طائلة لضمان استمرار عمليات الترهيب الإلكتروني والملاحقة الميدانية للناشطين في الحرم الجامعي.

في عام 2018، تجسد خطر الموقع واقعياً عندما احتجزت سلطات الاحتلال الطالبة لارا القاسم في مطار تل أبيب بناءً على ملفها الشخصي في 'مهمة الكناري'. هذه الحادثة أثبتت أن الموقع ليس مجرد أداة تشهير إلكترونية، بل هو قاعدة بيانات أمنية عابرة للحدود تخدم أجندة المخابرات الإسرائيلية بشكل مباشر.

لا توجد أسرار.. سوف نعرف تصويتكم وسوف نتصرف وفقاً لذلك.

تشير التقارير إلى أن منظمة 'ميغاموت شالوم' الإسرائيلية غير الربحية هي التي تدير الموقع سراً من داخل الأراضي المحتلة. وترتبط هذه المنظمة بشبكات صهيونية عالمية مثل 'إيش هاتوراه' و'زمالات هاسبارا'، التي تعمل على تدريب الطلبة للدفاع عن الرواية الإسرائيلية ومواجهة الحراك الفلسطيني في الغرب.

لا يقتصر النشاط على الفضاء الرقمي، بل يمتد إلى ترهيب مباشر داخل الجامعات، كما حدث في جامعة جورج واشنطن حين ظهر أشخاص بزي 'الكناري' لتهديد الطلاب علناً. هؤلاء الأشخاص يتمتعون بغطاء سياسي ومالي من شخصيات نافذة مثل عائلة أديلسون، التي سخرت ثروتها لدعم السياسات الموالية لإسرائيل.

تعتمد استراتيجية الموقع على الحرب النفسية لإشغال الناشطين بالدفاع عن أنفسهم وتبرئة ساحتهم من تهم الكراهية بدلاً من التركيز على القضية الفلسطينية. ويرى قادة المنظمات الصهيونية أن هذه الطريقة 'فعالة بشكل لا يصدق' في تحييد الأصوات المعارضة وإرباك صفوف حركة المقاطعة.

في سياق متصل، برز 'مشروع إستير' الذي تقوده مؤسسة التراث الأمريكية لوضع أطر قانونية تجرم نشاط المقاطعة في الجامعات. يهدف المشروع إلى تفكيك الحراك الفلسطيني من جذوره عبر المنع من الدراسة، والوصم العام، وتقييد الوصول إلى منصات التواصل الاجتماعي تحت ذريعة مكافحة التمييز.

تستغل هذه المنظمات عقدة الذنب الغربية تجاه الهولوكوست لوضع إسرائيل فوق مستوى النقد، معتبرة أي هجوم على سياساتها استهدافاً لليهود. هذا الخلط المتعمد بين الصهيونية واليهودية هو السلاح الأبرز الذي يستخدمه 'مهمة الكناري' لتبرير ممارساته غير الأخلاقية ضد الناشطين.

رغم كل هذه الضغوط، يلاحظ مراقبون أن ممارسات الترهيب أدت في كثير من الأحيان إلى نتائج عكسية، حيث زادت من إصرار الناشطين وجذبت متضامنين جدد. ومع ذلك، يظل الخطر الأمني قائماً في ظل تعاون الأجهزة السيادية الأمريكية مع هذه المنصات غير الرسمية والمجهولة الهوية.

يبقى 'مهمة الكناري' حجر أساس في المشروع الإسرائيلي الهادف لإسكات الصوت الفلسطيني حول العالم بكل الوسائل المتاحة. ومع عودة الإدارات اليمينية إلى السلطة في واشنطن، يتوقع أن تزداد وتيرة الملاحقات الأمنية بناءً على هذه الملفات، مما يضع حرية التعبير في الغرب على المحك.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا