آخر الأخبار

رحلة الحجاج الفلسطينيين 2026: من الخليل إلى مكة المكرمة

شارك

في رحلة لم تكن ضمن حساباتها المهنية، وجدت الصحفية الفلسطينية إيمان نفسها ضمن قافلة الحجيج المتجهة من الخليل إلى مكة المكرمة في ربيع عام 2026. إيمان التي قضى السجن الإسرائيلي سنوات من عمرها ومنعها من السفر طويلاً، جاءت رحلتها هذه المرة استجابة لنداء روحي بعد أن تعثرت خطط سفرها المهنية بسبب التوترات الإقليمية بين إسرائيل وإيران.

بدأت الحكاية حين قدمت والدتها، الحاجة كريمة، اسم ابنتها في قرعة الحج التي تنافس عليها نحو 30 ألف فلسطيني من الضفة الغربية والقدس. ومع إعلان وزارة الأوقاف لأسماء 6600 فائز بالقرعة في فبراير الماضي، ظهر اسم إيمان لتبدأ رحلة البحث عن 'الاستبدال' للأم، لكن القوانين الجديدة والتشديدات حالت دون ذلك، لتدرك الابنة أنها المدعوة لزيارة بيت الله الحرام.

لم تكن الرحلة مجرد انتقال جغرافي، بل كانت محملة برمزية اجتماعية عميقة لأهل الخليل؛ حيث حملت إيمان في حقيبتها خبزاً وزيتاً وزعتراً من أرض فلسطين. هذه المائدة التي امتدت من دارها في الخليل إلى صحن الحرم المكي، شارك فيها حجاج من مختلف الجنسيات، في طقس تحرص عليه العجائز الفلسطينيات لربط أرض المسرى بالبيت العتيق.

ارتبط لقب 'الحاج الصغير' بعائلة إيمان منذ حج جدها محمد في عام 1958، وهو اللقب الذي ورثته الحفيدة اليوم وهي تسير على خطاه في البقاع المقدسة. وتستذكر إيمان كيف كان توديع الحجاج في فلسطين قديماً يتحول إلى عرس وطني وديني، تُطلى فيه الجدران وتُقام الولائم وتُرفع أصوات النساء بـ 'التحنين' شوقاً للكعبة المشرفة.

ساعات الرحيل لم تكن خالية من منغصات الاحتلال، إذ اقتحم جيش الاحتلال مدينة دورا بالخليل قبيل انطلاق القافلة بساعات قليلة. هذا الاقتحام أجبر بعض الحجاج، ومنهم عمة إيمان، على تسلق أسوار المنازل للوصول إلى الحافلات، في مشهد يختصر التحديات التي يواجهها الفلسطيني حتى في أداء شعائره الدينية.

على جسر الملك حسين، واجه الحجاج الفلسطينيون نظام التفتيش الثلاثي المرهق الذي يفرضه الواقع السياسي، حيث يمر المسافر عبر نقاط تفتيش فلسطينية وإسرائيلية وأردنية. وتصف إيمان مشهد كبار السن وهم يخضعون لتفتيش دقيق ومهين من قبل جنود الاحتلال بأنه قمة القهر الإنساني، خاصة وهم في طريقهم لأداء فريضة دينية مقدسة.

بينما كانت إيمان تعيش فرحة الوصول، كانت غصة الحرمان تلاحق آلاف الفلسطينيين في قطاع غزة الذين مُنعوا من الحج للعام الثالث على التوالي. فقد تسبب إغلاق معبر رفح منذ أكتوبر 2023 في حرمان أكثر من 10 آلاف فلسطيني من نصيبهم في الحج، وتوفي العشرات منهم وهم ينتظرون فتح الطريق إلى مكة.

هذا المكان كان لُبّ الدعوة الإسلامية ولُبّ التاريخ كله الذي أنتمي إليه كإنسانة مسلمة وأحاول أن أبني حياتي من خلاله.

تجربة الطيران كانت الأولى في حياة إيمان التي تجاوزت الثلاثين، بعد أن حرمها الاعتقال والمنع الأمني من مغادرة البلاد لسنوات طويلة. ومن نافذة الطائرة، قارنت بين الطيران المدني الذي يفتح آفاق العالم، وبين الطيران الحربي الإسرائيلي الذي لا يعرفه الفلسطينيون إلا وسيلة للموت والدمار في سماء مدنهم المحاصرة.

في مطار جدة، شعرت إيمان بتلاشي سرديات العزلة التي يحاول الاحتلال فرضها على الفلسطينيين، حيث وجدت حفاوة بالغة من الموظفين والحجاج بمجرد معرفة هويتها. هذا التنوع العرقي واللغوي في الحج أعاد صياغة مفهوم 'العالمية' في ذهنها، مؤكدة أن اختلاف الألسن هو قوة تساند الحق الفلسطيني ولا تضعفه.

خلال تجوالها في شارع 'إبراهيم الخليل' بمكة، لم يغب المسجد الأقصى عن مخيلة الصحفية الفلسطينية، التي كانت تسكن يوماً في أبو ديس وتراه بعينها المجردة خلف الجدار. وتحدثت عن الفجوة الجغرافية التي صنعها الاحتلال، حيث أصبح الوصول إلى القدس من الضفة أصعب من الوصول إلى عواصم دولية بعيدة بسبب الحواجز والجدار.

تأملت إيمان في المنظومة الإدارية والتشغيلية للمسجد الحرام، من إدارة الحشود إلى النظافة والتوسعات، متمنية نقل هذه الخبرات إلى المسجد الأقصى بعد تحرره. وقارنت بين السيادة التي يتمتع بها الحرم المكي، وبين القيود التي تمنع الفلسطينيين حتى من ترميم المرافق الأساسية في المسجد الأقصى تحت وطأة الاحتلال.

الحوارات الجانبية بين الحجاج الفلسطينيين في صحن الطواف كانت تتمحور غالباً حول 'يوم التحرير' وكيفية إدارة ملايين المسلمين الذين سيتدفقون على القدس. هذه الرؤية المستقبلية تعكس إيماناً عميقاً بأن تجربة الحج هي مدرسة تنظيمية وروحية سيحتاجها الفلسطينيون لإدارة مقدساتهم في المستقبل القريب.

في يوم عرفة، دونت إيمان أمنياتها وأمنيات جيرانها في الخليل الذين استودعوها دعواتهم أمام الكعبة، حاملةً هموم شعب يرزح تحت الحصار والعدوان. الرحلة التي بدأت بتعثر مهني انتهت بيقين روحي، يربط بين معاناة الصحابي خباب بن الأرت في مكة قديماً ومعاناة الفلسطينيين المعاصرة في طلب النصر والحرية.

ستعود 'الحاجّة الصغيرة' إلى مدينتها الخليل، حاملةً معها صوراً وذكريات توثق رحلة الوفاء للأرض والمقدسات، ومؤكدة أن المسافة بين مكة والقدس ليست مجرد كيلومترات. إنها رحلة إيمان وصمود تبدأ من أزقة الضفة المحاصرة لتطوف حول الكعبة، وتعود محملة بالأمل في صلاة قريبة بساحات المسجد الأقصى المحرر.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا