أكد رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام أن الاحتلال الإسرائيلي ينتهج سياسة تدمير شامل تستهدف المدن والبلدات في جنوب لبنان، مشدداً على أن هذه الممارسات تهدف إلى اقتلاع الذاكرة الوطنية ومحو تاريخ السكان عبر التهجير الجماعي. وأوضح سلام في تصريحات صحفية أن سياسة الأرض المحروقة التي تتبعها تل أبيب لن تجلب لها الأمن أو الاستقرار المنشود.
وأشار سلام إلى أن الحكومة اللبنانية تبذل قصارى جهدها في المسار السياسي لتحقيق وقف فوري لإطلاق النار وضمان انسحاب قوات الاحتلال وعودة النازحين إلى ديارهم. وشدد على رفض لبنان القاطع لتحويل أراضيه إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية أو صندوق بريد لرسائل القوى الدولية، مؤكداً أن الدولة تقود المفاوضات حالياً باسم الشعب اللبناني كافة.
وفيما يخص المسار التفاوضي، اعتبر رئيس الوزراء اللبناني أن المفاوضات الجارية هي الخيار الأقل كلفة في الوقت الراهن رغم أنها لا تضمن نتائج حتمية ولا تعني الاستسلام. وتأتي هذه المواقف السياسية في ظل تصاعد وتيرة العمليات العسكرية على الحدود اللبنانية الفلسطينية وتوسع رقعة الاستهدافات المتبادلة بين الطرفين.
ميدانياً، أفادت مصادر طبية وأمنية باستشهاد مواطن لبناني وإصابة آخر جراء غارة جوية نفذها طيران الاحتلال على بلدة اللوبية التابعة لقضاء صيدا. كما طالت الغارات بلدات القليلة وبلاط ومشغرة في البقاع الغربي، مما أدى إلى دمار واسع في الممتلكات والبنى التحتية للمناطق المستهدفة.
وفي تطور لافت، أعلن الجيش اللبناني عن إصابة اثنين من عناصره جراء استهداف طائرة مسيرة إسرائيلية لطريق عبا في قضاء النبطية. وتزامن ذلك مع تقارير ميدانية أفادت بوقوع إصابات إضافية في غارة مماثلة استهدفت منطقة قعقعية الجسر، مما يرفع حصيلة الضحايا في صفوف العسكريين والمدنيين خلال الساعات الأخيرة.
من جانبه، نفذ حزب الله رداً عسكرياً واسعاً استهدف مدينة صفد المحتلة برشقة صاروخية، وهي المرة الأولى التي تصل فيها صواريخ الحزب إلى هذه المدينة منذ شهر أبريل الماضي. وأكدت مصادر إعلامية أن الرشقة استهدفت بنى تحتية تابعة لجيش الاحتلال، في إطار الرد على الاعتداءات المستمرة ضد القرى اللبنانية.
واعترفت وسائل إعلام إسرائيلية برصد إطلاق خمسة صواريخ على الأقل باتجاه صفد، وزعمت منظومات الدفاع الجوي اعتراض أحدها بينما سقطت البقية في مناطق مختلفة. وأدى هذا الهجوم إلى تفعيل صافرات الإنذار في مساحات واسعة من الجليل الأعلى، مما تسبب في حالة من الذعر بين المستوطنين.
ولم يقتصر رد حزب الله على صفد، بل شمل استهداف ثكنة شوميرا باستخدام طائرة مسيرة انقضاضية حققت إصابة مباشرة وفق بيان للحزب. كما أعلن الحزب عن استهداف قوة عسكرية إسرائيلية كانت تتمركز في ثكنة بمستوطنة ليمان الحدودية، مؤكداً استمرار عملياته طالما استمر العدوان.
وذكرت مصادر ميدانية أن صافرات الإنذار دوت أيضاً في نهاريا ومحيطها بالجليل الغربي، بالإضافة إلى مستوطنات مسغاف عام والمطلة. وجاء هذا التصعيد بعد رصد إطلاق صواريخ ومسيرات من الأراضي اللبنانية، حيث زعم جيش الاحتلال اعتراض مسيرة وانفجار أخرى قرب الحدود.
ويرى مراقبون أن لجوء حزب الله لقصف صفد يمثل محاولة لفرض معادلة 'المدن مقابل المدن' رداً على التهديدات الإسرائيلية بقصف مدينة صور. وتهدف هذه الاستراتيجية إلى خلق توازن ردع يمنع الاحتلال من التمادي في استهداف المراكز الحضرية الكبرى في العمق اللبناني.
وتشير التحليلات إلى أن استهداف الحزب للقوات الإسرائيلية في الجنوب يأتي كاستجابة مباشرة لعمليات الهدم الممنهجة التي ينفذها جيش الاحتلال في القرى الحدودية. ويحاول الحزب من خلال تنويع أهدافه بين المواقع العسكرية والمستوطنات الضغط على القيادة الإسرائيلية لوقف زحفها البري.
في المقابل، يصر وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس على أن تل أبيب لن تخضع لأي معادلات يفرضها حزب الله، مدعياً أن زمن التفاهمات الضمنية قد انتهى. ومع ذلك، تواجه القيادة الإسرائيلية انتقادات داخلية حادة بسبب ما يصفه الإعلام العبري بالرضوخ لبعض قواعد الاشتباك التي يفرضها الحزب ميدانياً.
ويربط خبراء عسكريون بين توسيع حزب الله لعملياته في العمق الإسرائيلي وبين محاولات الاحتلال تجاوز نهر الليطاني. واعتبر مدير المركز العربي للحوار علي السبيتي أن هذا التصعيد يمثل 'معادلة ردع' تهدف إلى كبح اندفاعة جيش الاحتلال ومنعه من تحقيق مكاسب برية إضافية في الساحة الجنوبية.
تستمر الأوضاع في الجنوب اللبناني بالتأزم مع غياب أي أفق قريب للحل السياسي، في ظل إصرار كل طرف على تثبيت موازين قوى جديدة. وتبقى الجبهة اللبنانية مفتوحة على كافة الاحتمالات مع استمرار الغارات الجوية المكثفة وردود الفعل الصاروخية التي باتت تطال مدناً استراتيجية في الشمال الإسرائيلي.
المصدر:
القدس