يبرز مصطلح وقف إطلاق النار كأداة دبلوماسية وقانونية تهدف إلى حقن الدماء، إلا أن المسافة بين النصوص المكتوبة والواقع الميداني في غزة ولبنان تكشف عن فجوة عميقة. فبينما يُفترض أن تؤدي هذه الاتفاقات إلى وقف الأنشطة العسكرية، تظهر التجربة الحالية أن الخروقات باتت هي السمة الغالبة على المشهد.
يُعرف وقف إطلاق النار في القانون الدولي الإنساني بأنه تنظيم مؤقت لوقف العمليات القتالية في منطقة النزاع، سواء كان ذلك لأغراض إستراتيجية أو إنسانية. وتستند هذه الاتفاقات إلى اللوائح المتعلقة بأعراف الحرب البرية، التي تهدف لتوفير مناخ يسمح بتقديم المساعدات أو إجراء مفاوضات سياسية أعمق.
أفادت مصادر بأن الأهداف الكامنة وراء إعلان وقف إطلاق النار ليست دائماً إنسانية بحتة، بل قد تكون قرارات عسكرية تكتيكية لإعادة تجميع القوات. وتتنوع هذه الإعلانات بين ما يصدر من طرف واحد دون اشتراط موافقة الخصم، وبين الاتفاقات التعاقدية الملزمة التي تتم بوساطة دولية.
في قطاع غزة، تشير الإحصائيات الرسمية الصادرة عن المكتب الإعلامي الحكومي إلى واقع مأساوي رغم دخول الاتفاق حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر 2025. فقد سجلت المصادر ما يزيد على 3 آلاف خرق ارتكبها جيش الاحتلال الإسرائيلي منذ ذلك التاريخ، مما أدى لنتائج كارثية.
أسفرت هذه الخروقات المستمرة في القطاع عن ارتقاء أكثر من 900 شهيد وإصابة نحو 3 آلاف جريح، مما يضع مصداقية الاتفاقات الدولية على المحك. وتؤكد هذه الأرقام أن الاحتلال يتجاوز الالتزامات القانونية، محولاً فترات التهدئة المفترضة إلى جولات استنزاف دموية ضد المدنيين.
أما على الجبهة اللبنانية، فقد دخل اتفاق وقف إطلاق النار المبرم برعاية أمريكية حيز التنفيذ في منتصف أبريل الماضي، لكنه حمل في طياته ثغرات قانونية مثيرة للجدل. إذ يمنح النص المنشور إسرائيل حقاً فضفاضاً تحت مسمى 'الدفاع عن النفس' للتحرك ضد أي تهديدات تراها وشيكة.
هذا الحق الممنوح للاحتلال في الاتفاق اللبناني لم يُقيد بوقف الأعمال العدائية، مما شرعن عملياً استمرار العمليات العسكرية تحت غطاء قانوني مشوه. وقد ترجمت إسرائيل هذا النص ميدانياً عبر شن مئات الغارات الجوية وإصدار عشرات أوامر الإخلاء القسري للسكان في القرى والبلدات اللبنانية.
قانونياً، تنص المادة 40 من اتفاقية لاهاي على أن أي خرق جسيم للهدنة يمنح الطرف المتضرر الحق في اعتبار الاتفاق منتهياً بشكل فوري. كما تتيح المادة 41 المطالبة بمعاقبة الأطراف المخالفة والحصول على تعويضات عن الأضرار الناجمة عن هذه الانتهاكات، وهو ما يغيب عن آليات التنفيذ الحالية.
بالانتقال إلى الملف الإقليمي، شهد شهر أبريل الماضي اتفاقاً بين الولايات المتحدة وإيران لوقف العمليات العسكرية المتبادلة وتأمين الملاحة في مضيق هرمز. ورغم الطابع الرسمي لهذا الاتفاق، إلا أن التقارير الميدانية أكدت استمرار العمليات العسكرية وعدم فتح المضيق أمام حركة التجارة الدولية.
يعكس فشل هذه الاتفاقات المتعددة في غزة ولبنان والمنطقة أزمة عميقة في آليات الإلزام الدولية التي تفتقر إلى أدوات ضغط حقيقية على الطرف المعتدي. فبينما تلتزم الأطراف الضعيفة بالنصوص، يستغل الطرف الأقوى الثغرات القانونية أو يتجاهلها تماماً لتحقيق مكاسب عسكرية إضافية.
تؤكد مصادر حقوقية أن استمرار المجازر في غزة رغم وجود اتفاقات معلنة يمثل تقويضاً كاملاً لقرار مجلس الأمن رقم 2175 لعام 2014. هذا القرار يشدد على ضرورة احترام الهدن الإنسانية، لكن غياب المحاسبة الدولية يشجع الاحتلال على مواصلة سياسة الخروقات الممنهجة.
إن مصطلح وقف إطلاق النار بات يتأرجح بين كونه نصاً قانونياً ملزماً في الدفاتر الدولية، وبين كونه أداة للمناورة السياسية في الميدان. وفي ظل اختلال موازين القوى، تصبح هذه الاتفاقات في كثير من الأحيان وسيلة لشرعنة استمرار العدوان بدلاً من إيقافه بشكل نهائي وشامل.
في الختام، يبقى الرهان على صمود الجبهات الداخلية والضغط الشعبي الدولي لتغيير قواعد اللعبة التي تفرضها القوى الكبرى. فبدون وجود ضمانات دولية صارمة وعقوبات رادعة للمخالفين، ستظل اتفاقات وقف إطلاق النار مجرد حبر على ورق لا يحمي المدنيين من آلة الحرب.
المصدر:
القدس