آخر الأخبار

أزمة الأضاحي في غزة: غياب الكهرباء وارتفاع الأسعار يغيران طق

شارك

يحل عيد الأضحى على قطاع غزة هذا العام مثقلاً بهموم معيشية تتجاوز الطقوس الاحتفالية، حيث يبرز سؤال ملح حول كيفية التعامل مع اللحوم في ظل انعدام الكهرباء وغياب الثلاجات. في خيام النزوح التي تفتقر لأدنى مقومات الحياة، يتحول الحصول على بضعة كيلوغرامات من اللحم إلى تحدٍ تقني يتطلب قراراً عاجلاً بالطهي الفوري أو التوزيع السريع لتجنب التلف بفعل حرارة الصيف اللاهبة.

تجسد مها عبد الرحمن، وهي أرملة وأم لخمسة أطفال، واقع النزوح المرير حيث تقف لساعات أمام موقد النار داخل خيمتها لطهي حصة صغيرة من اللحم حصلت عليها من جمعية خيرية. وتؤكد مها أن قرارها بطبخ الكمية كاملة وتوزيعها على الجيران ينبع من استحالة حفظ الطعام في بيئة تفتقر للتبريد وتنتشر فيها الحشرات والقوارض، مما يجعل المشاركة الفورية الخيار الوحيد المتاح.

وفي سياق متصل، تصف نجلاء محمد حال أسرتها التي استقبلت حصة اللحم بمشاعر مختلطة بين الفرح والقلق من ضياع هذه الفرصة الغذائية النادرة. فقد اختارت نجلاء إقامة وليمة عائلية سريعة تجمع الأقارب والأطفال حول طبق واحد، معتبرة أن الأكل الجماعي يمثل حلاً عملياً لمشكلة الحفظ ووسيلة لتعزيز الروابط الاجتماعية التي مزقتها الحرب والنزوح المستمر.

وعلى صعيد المؤسسات الإغاثية، تحول العمل في المطابخ الخيرية إلى سباق محموم مع الزمن لضمان وصول الوجبات ساخنة وصالحة للاستهلاك. وتفيد مصادر من مطبخ مؤسسة 'جود' بأن الاعتماد الكلي بات على اللحوم المجمدة المتوفرة في الأسواق نظراً لندرة الأضاحي الطازجة، حيث يتم فرز وتقطيع اللحوم في ساعات الفجر الأولى لتبدأ عملية الطهي مع شروق الشمس.

وتشير المصادر إلى أن الفارق الزمني بين استلام اللحوم وتوزيع الوجبات المطبوخة لا يتجاوز 14 ساعة، وذلك لضمان سلامة الغذاء في ظل الارتفاع الحاد في درجات الحرارة. كما يضطر القائمون على هذه المطابخ لاستخدام بدائل بدائية للوقود مثل 'بابور السيرج' الذي يعمل بالزيت النباتي، نظراً للارتفاع الجنوني في أسعار غاز الطهي الذي وصل سعر اللتر منه إلى 3 دولارات.

وتعكس أسعار المواشي في الأسواق المحلية حجم الانهيار الاقتصادي، حيث وصل سعر الكيلوغرام القائم من الخراف إلى 120 دولاراً، مما رفع تكلفة الأضحية الواحدة إلى أرقام فلكية تقارب 6500 دولار. هذا الارتفاع جعل من شراء الأضاحي أمراً مستحيلاً للأفراد، وحصر النشاط المحدود جداً في يد بعض الجمعيات والمبادرات الإغاثية التي تشتري ما تبقى من مواشي لدى المربين المحليين.

وفي جولة داخل الملاحم المحلية، يبدو المشهد قاتماً حيث يتردد الزبائن في شراء كميات بسيطة من اللحم، ويكتفي أغلبهم بطلب 'أوقية' واحدة فقط لإضفاء نكهة على الطعام. ويؤكد جزارون أن ضعف الإقبال أجبرهم على تجميد اللحوم في ثلاجات تجارية تعمل بتكلفة تشغيلية باهظة، حيث قفز سعر الكيلوواط من الكهرباء إلى مستويات غير مسبوقة ترهق كاهل أصحاب المهن.

أطبخ هذه الكمية وسأقوم بتوزيعها فوراً؛ فأولادي يحتاجون للبروتين بعد حرمان طويل، لكن ليس لدي وسيلة لحفظ اللحم من الحرارة والقوارض.

ويحاول أصحاب الملاحم ابتكار طرق للبقاء، مثل اللجوء لشواء اللحوم لتقليل الاعتماد على الغاز، إلا أنهم اصطدموا بارتفاع أسعار الفحم أيضاً. وتتضاعف المعاناة مع ارتفاع تكاليف النقل وأجور العمال، مما يقلص هامش الربح إلى أدنى مستوياته ويجعل من استمرار العمل في هذه الظروف مغامرة اقتصادية غير مضمونة النتائج.

من جانبه، يصف أصحاب المزارع موسم الأضاحي الحالي بأنه 'مبتور' بكل ما تحمله الكلمة من معنى، حيث انخفضت عمليات الذبح بنسبة تصل إلى 99% مقارنة بالأعوام السابقة. فالحظائر التي كانت تضج بمئات الرؤوس من العجول والخراف باتت خاوية، واقتصر النشاط على بيع كميات محدودة من اللحوم المجمدة التي يتم تخزينها تحت ظروف قاسية ومعقدة.

ويرجع هذا الانهيار في قطاع الأضاحي بشكل مباشر إلى تدمير البنية التحتية لقطاع الكهرباء، حيث أفادت مصادر في شركة توزيع الكهرباء بأن نسبة الضرر في الشبكة تجاوزت 85%. وقد أدى فصل المغذيات الرئيسية وتوقف محطات التوليد إلى حرمان السكان من أكثر من ملياري كيلوواط ساعة، مما شل قدرة العائلات والمنشآت التجارية على حفظ الأغذية.

وتقدر الخسائر المادية لقطاع توزيع الكهرباء بأكثر من 128 مليون دولار، شملت تدمير آلاف الكيلومترات من الأسلاك وفقدان معظم أسطول المركبات والمعدات التشغيلية. هذا الدمار الممنهج جعل من الحصول على تيار كهربائي مستمر حلمًا بعيد المنال، ودفع الناس للبحث عن بدائل مكلفة وغير كافية مثل الطاقة الشمسية التي تواجه قيوداً في إدخال البطاريات.

وفي ظل هذه المعطيات، يجد المواطن الغزي نفسه محاصراً بين مطرقة الجوع وسندان التكاليف الباهظة، حيث تظل اللحوم والمواد الغذائية تحت تهديد التلف الدائم. وتؤكد التقارير الميدانية أن تذبذب مصادر الطاقة يجعل من الحفاظ على جودة الغذاء تحدياً يومياً يرافق النازحين في خيامهم، ويحول فرحة العيد إلى عبء إضافي يتطلب تدبيراً استثنائياً.

إن تحول الأضحية من شعيرة دينية واجتماعية إلى 'سلعة مرتبطة بالتخزين' يعكس عمق المأساة الإنسانية في غزة، حيث تلاشت مظاهر الاحتفال التقليدية لصالح استراتيجيات البقاء. فالمواطن الذي كان يوزع الأضاحي بجود وكرم، بات اليوم يبحث عن وسيلة لطهي كيلوغرام واحد من اللحم قبل أن يفسد تحت أشعة الشمس التي لا ترحم.

ختاماً، يبقى واقع العيد في غزة شاهداً على قدرة الإنسان على التكيف مع أقسى الظروف، حيث تظل 'مائدة المقاومة' التي تجمع العائلات حول أبسط الوجبات هي الرد الوحيد على سياسات التجويع والحصار. ومع استمرار غياب الحلول الجذرية لأزمات الطاقة والوقود، يظل الغزيون يبتكرون طرقهم الخاصة لانتزاع لحظات من الدفء العائلي وسط ركام الحرب.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا