قبل أيام معدودة من حلول عيد الأضحى المبارك، تخيم حالة من الركود غير المسبوق على سوق الأغنام في مدينة الخليل جنوبي الضفة الغربية. وتراجعت الحركة التجارية بشكل ملحوظ في واحد من أهم أسواق المواشي، حيث يقضي التجار ساعات طويلة بانتظار زبائن قلائل، في مشهد يعكس عمق الأزمة الاقتصادية التي تضرب الأراضي الفلسطينية.
داخل أروقة السوق، تصطف مئات الرؤوس من الأغنام في الحظائر دون مشترين، بينما يحاول التجار جاهدين إتمام صفقات محدودة وسط شكاوى من الارتفاع الجنوني في الأسعار. ويرى مراقبون أن هذا الموسم يعد من أصعب المواسم التي مرت على القطاع منذ سنوات طويلة، نتيجة تداخل العوامل السياسية والميدانية والاقتصادية.
وتشير شهادات التجار إلى أن الأسعار تضاعفت بشكل كبير، حيث قفز سعر كيلوغرام الخروف من خمسة دنانير في السنوات الماضية إلى أكثر من عشرة دنانير ونصف في الوقت الحالي. هذا الارتفاع جعل تكلفة الأضحية الواحدة تصل إلى نحو 700 دينار أردني، وهو مبلغ يفوق القدرة المالية لغالبية العائلات الفلسطينية.
الأزمة المالية التي تعصف بالسلطة الفلسطينية ألقت بظلال ثقيلة على السوق، خاصة مع عدم انتظام صرف رواتب الموظفين الحكوميين وتراكم الديون. وأفادت مصادر بأن تراجع القدرة الشرائية جعل المواطنين يضعون أولويات المعيشة الأساسية فوق شعيرة الأضحية التي باتت مكلفة جداً في ظل الظروف الراهنة.
وإلى جانب الأزمة المالية، تبرز اعتداءات المستوطنين كعامل رئيسي في تدمير قطاع الثروة الحيوانية، لا سيما في مناطق البادية ومسافر يطا. ويتعرض مربو الأغنام لهجمات شبه يومية تشمل سرقة المواشي والاعتداء الجسدي، مما أدى إلى نقص حاد في المعروض وارتفاع تكاليف الإنتاج والتربية.
وفي حادثة وقعت فجر الخميس، أقدمت مجموعات من المستوطنين على سرقة قطيع يضم نحو 50 رأساً من الأغنام بعد تسللهم إلى مسكن فلسطيني في مسافر يطا. هذه السرقات الممنهجة تهدف إلى التضييق على الرعاة الفلسطينيين وإجبارهم على ترك أراضيهم، مما ينعكس مباشرة على استقرار أسعار اللحوم في الأسواق المحلية.
التاجر محمد أحمد اللبيب، الذي يعمل في هذه المهنة منذ خمسة عقود، وصف الوضع الحالي بأنه "شبه متوقف"، مشيراً إلى تراجع مبيعاته من 50 خروفاً في المواسم السابقة إلى 5 فقط هذا العام. وتساءل اللبيب بحسرة عن كيفية قدرة الناس على شراء الأضاحي وهم يكافحون لتأمين لقمة العيش اليومية في ظل انعدام فرص العمل.
وتشير البيانات الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى ارتفاع مقلق في معدلات البطالة بالضفة الغربية لتصل إلى 28%. هذا التدهور الاقتصادي جاء نتيجة الحرب المستمرة على قطاع غزة، وتشديد القيود العسكرية الإسرائيلية التي أدت إلى فقدان آلاف العمال لوظائفهم داخل الخط الأخضر وفي القطاعات المحلية.
مربي المواشي في المناطق المصنفة "ج" يواجهون تحديات مضاعفة، حيث يمنعون من الوصول إلى المراعي الطبيعية تحت تهديد السلاح من قبل المستوطنين وقوات الاحتلال. هذا الحصار الميداني يجبر المربين على شراء الأعلاف بأسعار مرتفعة، مما يرفع التكلفة النهائية على المستهلك الفلسطيني الذي يعاني أصلاً من ضائقة مالية.
وفي سياق متصل، وثقت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان أكثر من 1600 اعتداء نفذها المستوطنون خلال شهر أبريل الماضي فقط، شملت تخريب ممتلكات وسرقة مواشي. هذه الاعتداءات تتم غالباً بحماية من جيش الاحتلال، وتستهدف بشكل مباشر العمود الفقري للاقتصاد الرعوي في ريف الخليل والضفة الغربية.
التاجر رياض الجبارين، الذي يقطن في مسافر يطا، أكد أن الإقبال على الشراء لا يتجاوز 20% مقارنة بالسنوات الماضية، مرجعاً ذلك إلى غياب السيولة النقدية لدى المواطنين. وأوضح أن الموظف الذي يتقاضى جزءاً يسيراً من راتبه لا يمكنه تخصيص مبلغ ضخم لشراء أضحية في ظل الالتزامات المعيشية الأخرى.
وتعاني السلطة الفلسطينية من أزمة مالية خانقة منذ عام 2019، تفاقمت بشكل حاد خلال العام الجاري بسبب احتجاز إسرائيل لأموال المقاصة. وبلغت المستحقات غير المدفوعة والعجز المالي نحو 4.26 مليارات دولار، مما جعل الحكومة عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها تجاه الموظفين والموردين والقطاعات الحيوية.
ويشتكي المزارعون من غياب الدعم الحكومي والمؤسساتي الكافي لمواجهة خسائرهم الناتجة عن اعتداءات المستوطنين، حيث يجد المربي نفسه وحيداً في مواجهة عمليات السرقة والقتل الممنهج لمواشيه. هذا الغياب للدعم يعزز من حالة الإحباط ويدفع البعض للتخلي عن مهنة تربية المواشي التي ورثوها عن آبائهم.
ختاماً، يبدو أن عيد الأضحى هذا العام سيفتقد للكثير من مظاهره المعتادة في مدينة الخليل، حيث تطغى الهموم الاقتصادية والأمنية على أجواء الفرح. ويبقى التاجر والمواطن الفلسطيني في صراع مستمر بين الحفاظ على الشعائر الدينية وبين واقع معيشي مرير تفرضه سياسات الاحتلال واعتداءات مستوطنيه.
المصدر:
القدس