فقدت الأوساط الأكاديمية والثقافية في مصر والعالم العربي، العالم اللغوي والمفكر الكبير الدكتور خالد فهمي، أستاذ اللغويات بجامعة المنوفية والخبير بمجمع اللغة العربية بالقاهرة. ويعد الراحل نموذجاً للمثقف العضوي الذي لم ينفصل يوماً عن قضايا أمته، بل ظل مرابطاً في محراب العلم مدافعاً عن لغة الضاد.
شغل الدكتور فهمي مناصب ثقافية رفيعة، كان أبرزها عمله مستشاراً ثقافياً لدار الكتب والوثائق القومية، حيث أدرك من خلالها قيمة المخطوط والوثيقة في حفظ الذاكرة الجمعية. وقد ترك الراحل بصمة واضحة في كل مؤسسة عمل بها، محولاً العمل الأكاديمي الروتيني إلى مشروع نهضوي لبناء الوعي.
تجسدت فلسفة الراحل في اعتبار اللغة العربية قضية أمن قومي بامتياز، وليست مجرد أداة للتواصل الفني أو الأدبي. وكان يرى أن الهزيمة الثقافية واللغوية تسبق دائماً الهزائم العسكرية والاقتصادية، مما جعله يكرس أبحاثه لربط البنية اللغوية بالسياق القيمي والاجتماعي للأمة.
وقف الدكتور خالد فهمي سداً منيعاً أمام محاولات التغريب الثقافي التي تستهدف تهميش اللغة العربية في المناهج التعليمية والحياة العامة. وحذر مراراً من أن استبدال اللسان العربي بلغات أجنبية في مراحل التنشئة الأولى يؤدي إلى تشويه وعي الأجيال وفصلهم عن جذورهم التاريخية.
آمن الفقيد بأن النهضة الحقيقية لا يمكن أن تتحقق إلا بتوطين المعرفة، وهو ما جعله من أكبر الداعمين لحركة الترجمة والتعريب. وكان يشدد على أن الأمة التي لا تنتج معرفتها بلغتها الخاصة تظل تابعة لغيرها، وتفقد قدرتها على الإبداع المستقل والمنافسة الحضارية.
أحدث رحيل فهمي صدمة واسعة في الأوساط الفكرية، حيث ضجت منصات التواصل الاجتماعي والمجلات الثقافية بمرثيات دافقة من زملائه وتلامذته. ووصفه الكثيرون بأنه 'عالم الثغور' الذي لم ينسحب إلى الأبراج العاجية، بل ظل قريباً من نبض الشارع وهموم الشباب الباحثين.
تميز الراحل بقدرة فائقة على تبسيط المعارف اللغوية المعقدة وجعلها في متناول الأجيال الجديدة دون إخلال بعمقها. وقد رثاه مجمع اللغة العربية والمؤسسات الفكرية كجسر فريد يربط بين التراث العربي الأصيل وبين مقتضيات المعاصرة والمنهجيات الحديثة.
ترك الدكتور خالد فهمي إرثاً علمياً ضخماً يتجاوز الستين كتاباً، تناولت قضايا التحقيق واللغويات وصناعة الوعي الحضاري. وكان يؤكد دائماً أن تحقيق التراث ليس ترفاً عقلياً، بل هو استدعاء لعناصر القوة والأصالة اللازمة لتأسيس نهضة الحاضر والمستقبل.
على الصعيد الإنساني، عُرف عن الراحل تواضعه الجم واحتفاؤه الكبير بتلامذته الذين كان يعاملهم كأصدقاء ومشاريع علماء. ولم يبخل يوماً بوقته أو مكتبته الشخصية على أي باحث، مؤمناً بأن زكاة العلم تكمن في بذله ونشره دون قيود بيروقراطية.
كان الدكتور فهمي يصدح برأيه العلمي والفكري بكل أدب وشجاعة، مترفعاً عن الصغائر والمناصب التي قد تقيد حريته. واتسمت مسيرته بالنزاهة الأخلاقية والثبات على المبادئ، مما جعله مرجعية أخلاقية وعلمية تحظى باحترام مختلف التيارات الفكرية.
في إحدى مقولاته المركزية، اعتبر الراحل أن صناعة الوعي هي 'الجهاد الأكبر' في العصر الحديث لمواجهة محاولات التزييف. ورأى أن الأمة التي تفرط في كتابها ولغتها وتاريخها، إنما تسلم مفاتيح قلعتها لخصومها طواعية وبلا مقاومة تذكر.
أشار تلامذته في وداعه إلى أنه عاش حراً شريفاً ومات عزيزاً كريماً، دون أن يبيع علمه أو مروءته بعرض من الدنيا. وبث في نفوس جيل كامل روح العزة والفخر بالانتماء للهوية الإسلامية والعربية، محارباً بلا ضجيج في سبيل قضايا أمته.
إن غياب هذا العالم الموسوعي يضع مسؤولية جسيمة على عاتق الباحثين لمواصلة مشروعه في حماية الثغور الثقافية. فالأفكار التي غرسها تحتاج إلى رعاية مستمرة لتنمو وتواجه تحديات العولمة والتجريف الثقافي الذي يهدد المجتمعات العربية.
ختاماً، يبقى مشروع الدكتور خالد فهمي حياً في كتبه وتلامذته الذين تعلموا منه أن العلم رسالة وجهاد مستمر. ورحيله وإن كان خسارة فادحة، إلا أن الأثر الذي تركه سيظل منارة تهتدي بها الأجيال الطامحة لاستعادة السيادة الحضارية واللغوية.
المصدر:
القدس