آخر الأخبار

إنقاذ أرشيف النكبة: عملية سرية لنقل 30 مليون وثيقة للأردن

شارك

كشفت مصادر مطلعة عن تفاصيل عملية استخباراتية ولوجستية معقدة نفذتها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) بالتعاون مع جهات دولية وإقليمية، لإنقاذ ما يقرب من 30 مليون وثيقة تاريخية تمثل أرشيف النكبة واللجوء الفلسطيني. هذه الوثائق التي كانت موزعة بين مقرات الوكالة في قطاع غزة والقدس المحتلة، جرى نقلها في ظل ظروف أمنية بالغة الخطورة لتجنب تعرضها للمصادرة أو التدمير الممنهج من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي.

وأفادت مصادر بأن الأردن لعب دوراً تاريخياً ومحورياً في تأمين هذه السجلات، حيث استقبلت العاصمة عمّان الشحنات الوثائقية التي تم تهريبها تدريجياً من مناطق النزاع. وقد شملت هذه العملية السرية تنسيقاً عالي المستوى لضمان وصول الوثائق الأصلية التي تثبت حقوق ملايين اللاجئين الفلسطينيين منذ عام 1948، في خطوة استباقية لمواجهة التهديدات الإسرائيلية المتصاعدة ضد وجود الوكالة وأرشيفها.

وتتضمن الوثائق التي تم إنقاذها سجلات حيوية لا يمكن تعويضها، مثل بطاقات تسجيل اللاجئين الأصلية، وشهادات الميلاد والوفاة والزواج، إضافة إلى وثائق ملكية وأوراق رسمية توثق مراحل النزوح والتهجير القسري. وتعتبر هذه السجلات بمثابة الذاكرة الوطنية الحية للشعب الفلسطيني، والدليل القانوني والتاريخي الوحيد المتبقي لإثبات وجود عائلات فلسطينية في القرى والمدن التي دمرها الاحتلال إبان النكبة.

بدأت ملامح هذه العملية عقب اندلاع العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في أكتوبر 2023، حيث تزايدت المخاوف من استهداف مراكز الأرشفة التابعة للأونروا. وبحسب التقارير، فقد قام موظفو الوكالة بنقل الصناديق الوثائقية تحت القصف من مدينة غزة إلى مستودعات مؤقتة في رفح، قبل أن يتم نقلها عبر الحدود المصرية بواسطة موظفين دوليين يحملون حصانات دبلوماسية وجنسيات أجنبية.

ومن مصر، تولت طائرات عسكرية أردنية مهمة نقل الأرشيف إلى المملكة، حيث كانت هذه الطائرات تستغل رحلات العودة من مهام إيصال المساعدات الإنسانية لغزة لنقل الحمولات الوثائقية الثمينة. وقد تمت هذه الخطوات بسرية تامة بعيداً عن أعين الرقابة الإسرائيلية التي كانت تفرض قيوداً مشددة على حركة الأفراد والمواد الخارجة من القطاع، مما جعل العملية واحدة من أنجح عمليات الإنقاذ الثقافي والتاريخي في العصر الحديث.

وفي هذا السياق، أكد عدنان أبو حسنة، المستشار الإعلامي للأونروا أن حماية هذه السجلات تقع في صلب مسؤوليات الوكالة القانونية والأخلاقية تجاه اللاجئين. وأوضح أن الحفاظ على هذا الإرث في غزة والقدس لم يكن ممكناً لولا الشجاعة الاستثنائية التي أبداها موظفو الوكالة على الأرض، الذين خاطروا بحياتهم لضمان عدم ضياع التاريخ الفلسطيني وسط ركام الحرب والدمار.

وأشار أبو حسنة إلى أن الوكالة لم تكتفِ بالنقل الفيزيائي للوثائق، بل أطلقت مشروعاً ضخماً لرقمنة كافة السجلات وتحويلها إلى نسخ إلكترونية مؤمنة. ويهدف هذا المشروع، الذي يحظى بدعم فني وتقني متطور، إلى ضمان استمرارية الوصول إلى المعلومات التاريخية في حال تعرض النسخ الورقية لأي مكروه، مما يعزز من صمود الرواية الفلسطينية في وجه محاولات الطمس والتزييف.

هذه المحفوظات ليست مجرد مسؤولية مؤسسية، بل جزء أصيل من التاريخ الفلسطيني وذات أهمية عالمية لإثبات الوجود واللجوء.

ويحتضن الأردن حالياً هذه الكنوز التاريخية في مراكز متخصصة، حيث يتولى مركز التوثيق الملكي الأردني الهاشمي الإشراف على عمليات الصيانة والترميم. ويمتلك المركز خبرات عالمية في التعامل مع المخطوطات والوثائق القديمة، بما في ذلك التعقيم والترميم اليدوي والآلي، لضمان بقاء هذه الأوراق صالحة للأجيال القادمة كشاهد ملك على الحقوق الفلسطينية غير القابلة للتصرف.

ويعمل في مشروع الرقمنة المنفذ في عمّان أكثر من 50 متخصصاً، بتمويل رئيسي من دولة لوكسمبورغ، حيث يتم مسح ملايين الأوراق ضوئياً وتصنيفها وفق أحدث المعايير الدولية. وتأتي هذه الجهود المكثفة في سباق مع الزمن، خاصة مع اقتراب موعد تنفيذ القوانين الإسرائيلية التي تحظر نشاط الأونروا داخل الأراضي المحتلة، وهو ما كان سيعني حتماً وضع اليد على هذا الأرشيف أو إتلافه.

ويرى باحثون وأكاديميون أن أهمية هذا الأرشيف تتجاوز الجانب الإداري للوكالة، لتشكل 'أرشيفاً وطنياً بديلاً' في ظل غياب مؤسسة أرشيفية مركزية للدولة الفلسطينية تحت الاحتلال. فالسجلات التي تحتفظ بها الأونروا هي المصدر الأساسي لفهم التحولات الديموغرافية والاجتماعية التي طرأت على المجتمع الفلسطيني منذ عام 1948، وهي المرجع الأول لأي دراسات تاريخية حول النكبة.

وتعيد هذه العملية إلى الأذهان حوادث السطو التاريخي التي نفذتها إسرائيل سابقاً، وأبرزها الاستيلاء على أرشيف مركز الأبحاث الفلسطيني ومنظمة التحرير خلال اجتياح بيروت عام 1982. تلك التجربة المريرة كانت دافعاً أساسياً للأونروا والجانب الأردني للتحرك بسرعة وسرية هذه المرة، لضمان عدم تكرار سيناريو سرقة الذاكرة الوطنية الفلسطينية وتحويلها إلى غنائم حرب.

كما شملت العملية السرية إنقاذ أرشيف مقر الأونروا في القدس الشرقية، الذي تعرض لسلسلة من الاعتداءات والمضايقات من قبل المستوطنين وسلطات الاحتلال. ومع تزايد الضغوط لإخلاء المقر التاريخي في الشيخ جراح، كان من الضروري إخراج الوثائق الحساسة التي توثق أملاك وعائلات اللاجئين في القدس والمناطق المحيطة بها، ونقلها إلى مكان آمن خارج سيطرة الاحتلال المباشرة.

إن نجاح هذه المهمة يمثل انتصاراً معنوياً وقانونياً كبيراً، حيث تظل هذه الوثائق بمثابة 'القنبلة الموقوتة' في وجه محاولات تصفية قضية اللاجئين. فما دامت هذه السجلات موجودة وموثقة، فإن حق العودة يظل مستنداً إلى قاعدة بيانات صلبة لا يمكن دحضها، وتثبت بالأسماء والتواريخ والخرائط حق الفلسطيني في أرضه التي هُجر منها قسراً.

ختاماً، تواصل الأونروا تأكيد التزامها بالولاية الممنوحة لها من الجمعية العامة للأمم المتحدة، معتبرة أن حماية الأرشيف هو جزء لا يتجزأ من تقديم الخدمات الإنسانية. ومع استقرار هذه الوثائق في الأردن، يبدأ فصل جديد من حفظ الهوية الفلسطينية، حيث تتحول الأوراق المهترئة بفعل الزمن إلى حصن رقمي وتاريخي يحمي الحقيقة من الاندثار في ظل الصراعات السياسية والعسكرية المستمرة.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا