آخر الأخبار

مخاطر مجلس السلام الدولي والقرار 2803 على القضية الفلسطينية

شارك

يبرز مشهد النظام الدولي الحالي حالة من العجز الواضح في تحقيق العدالة، حيث يظهر ما يسمى 'مجلس السلام الدولي' كأداة جديدة تهدف لتصفية القضية الفلسطينية. هذا المجلس الذي تأسس برعاية أمريكية ومباركة أممية بموجب القرار 2803، يمثل ذروة المساعي لتحويل منظومة العمل الدولي إلى وسيلة لإلحاق القضية الفلسطينية بالمنظومة الأمنية للاحتلال.

تكشف القراءة المتفحصة لأدبيات هذا المجلس وتقاريره المرفوعة إلى مجلس الأمن عن تبنٍ كامل للرواية الإسرائيلية ومحدداتها الأمنية. لقد جرى إخراج القضية من سياقها التاريخي كحركة تحرر وطني ضد استعمار استيطاني، لتوضع في إطار هندسة أمنية واشتراطات تمويلية تخدم المصالح الاستراتيجية للاحتلال الصهيوني.

يتجلى الانحياز البنيوي للمجلس في محاولاته المستمرة لتفكيك المشهد الفلسطيني، عبر عزل قطاع غزة عن عمقه الوطني في الضفة الغربية والقدس المحتلة. هذا التجزير السياسي يهدف إلى فرض حلول مجزوءة تقتصر على الترتيبات الأمنية الفوقية التي تتجاهل الحقوق السياسية المشروعة للشعب الفلسطيني.

من الناحية القانونية، يمارس المجلس عملية تدليس عبر تكييف قانوني مقلوب للواقع، حيث يتعامل مع قطاع غزة والضفة الغربية بعيداً عن توصيف الاحتلال الاستيطاني. وبدلاً من تفعيل المحاسبة الدولية ضد مجرمي الحرب، يسعى المجلس لشرعنة حصار مقنع يربط الإعمار بشروط سياسية قاسية.

تشير التقارير إلى أن الاحتلال دمر أكثر من 80% من البنية التحتية في قطاع غزة، مخلفاً ركاماً يقدر بنحو 70 مليون طن نتيجة حرب الإبادة المستمرة. ومع ذلك، يضع المجلس شرط نزع السلاح الشامل للفصائل كمتطلب أساسي للبدء في عمليات الإغاثة الإنسانية وإعادة الإعمار، وهو ما يعد انقلاباً على القانون الدولي.

إن اشتراط نزع السلاح يمثل انتهاكاً لقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة التي أقرت مشروعية مقاومة الاحتلال بكافة الوسائل المتاحة. وتعتبر خارطة الطريق التي يروج لها المجلس وثيقة تهدف لإعفاء القوة المحتلة من مسؤولياتها القانونية والمدنية، ونقل العبء والمسؤولية إلى الضحية الرازحة تحت الحصار.

على الصعيد العسكري، تبرز الرؤية الإسرائيلية كناظم فعلي لكل الترتيبات الميدانية المقترحة من قبل المجلس الدولي. ويأتي طرح فكرة قوة التثبيت الدولية المكونة من 20 ألف جندي تحت قيادة أمريكية كمحاولة لإحلال احتلال متعدد الجنسيات بدلاً من جيش الاحتلال الذي فشل في حسم المعركة ميدانياً.

إن معادلة نزع السلاح مقابل الإعمار تفترض خبثاً أن سلاح المقاومة هو سبب الأزمة وليس نتيجة طبيعية لوجود الاحتلال.

تهدف هذه القوات الدولية المقترحة إلى تحويل المهام القمعية ضد الحاضنة الشعبية للمقاومة إلى أطراف دولية وإقليمية. كما يسعى المخطط لتدريب قوات شرطية محلية تكون وظيفتها الأساسية حماية الحزام الأمني للكيان الصهيوني، بعيداً عن أي دور وطني حقيقي في حماية المواطنين الفلسطينيين.

إن معادلة 'نزع السلاح مقابل الإعمار' تنطلق من فرضية خبيثة تعتبر سلاح المقاومة سبباً للأزمة وليس نتيجة لوجود الاحتلال والعدوان المستمر. وتجريد الشعب الفلسطيني من قوته الدفاعية في ظل تصاعد إرهاب المستوطنين في الضفة والقدس يمثل حكماً بالإعدام السياسي وتصفية كاملة للحقوق الوطنية.

في الجانب الاقتصادي، تظهر فجوة هائلة بين احتياجات الإعمار والتعهدات الدولية الهزيلة التي أعلن عنها المجلس. فبينما يقدر البنك الدولي تكلفة إعادة بناء غزة بنحو 71.4 مليار دولار، لم تتجاوز تعهدات المجلس 17 مليار دولار، لم يصل منها للفلسطينيين إلا الفتات.

تُستخدم أموال الإعمار حالياً كأداة للابتزاز السياسي والضغط على لقمة عيش المواطنين لتمرير مشاريع إدارية مشبوهة. ومن بين هذه المشاريع ما يسمى 'اللجنة الوطنية لإدارة غزة' التي جرت هندستها في عواصم إقليمية ودولية دون أي غطاء توافقي وطني أو شرعية نضالية.

الهدف من هذه التراكيب الإدارية هو خلق وكيل أمني محلي برداء خدماتي يقوم بوظيفة مكملة للتنسيق الأمني لضمان هدوء مجاني للاحتلال. هذه الهياكل تهدف لضمان استقرار أمن الكيان دون الاضطرار لدفع أي استحقاق سياسي يتعلق بتقرير المصير أو السيادة الفلسطينية الكاملة على الأرض.

إن الموقف الفلسطيني الراهن لا يحتمل الرمادية، والرهان على فتات الموائد الدولية أو القبول بصيغ مجلس السلام هو تساوق مع مشاريع التصفية. لا خيار أمام القوى الوطنية إلا إسقاط هذه الأطر الالتفافية والتمسك بالحقوق الثابتة ورفض أي ترتيب لا ينطلق من كنس الاحتلال بالكامل.

في الختام، تبقى قوة الحق الفلسطيني المستندة إلى الإرادة الشعبية والتضحيات هي الكفيلة بإفشال كافة المخططات الدولية المشبوهة. إن الصراع سيبقى في مربعه الحقيقي كصراع وجود وتحرر وطني لا يقبل المساومة أو المقايضة بالاحتياجات الإنسانية الأساسية للشعب الفلسطيني.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا