أصدر وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، قراراً يقضي بالإخلاء الفوري لتجمع الخان الأحمر البدوي الواقع شرقي مدينة القدس المحتلة. وجاء هذا الإعلان في توقيت سياسي حساس، حيث أكد الوزير اليميني المتطرف أن هذا الإجراء يقع ضمن صلاحياته القانونية المباشرة، متوعداً بأن هذه الخطوة ليست سوى بداية لمرحلة جديدة من السياسات الميدانية.
وكشفت مصادر إعلامية أن سموتريتش يسعى من خلال هذا القرار إلى فرض واقع جديد في الضفة الغربية، مشيراً إلى أنه يقود خطة استيطانية ضخمة. وتتضمن هذه الخطة إنشاء أكثر من 100 مستوطنة جديدة ونحو 160 بؤرة زراعية، بالإضافة إلى شرعنة البؤر القائمة وتوسيع شبكة الطرق التي تخدم المستوطنين على حساب الأراضي الفلسطينية.
ويربط مراقبون بين توقيت هذا القرار وبين الضغوط القانونية الدولية التي يواجهها سموتريتش في الآونة الأخيرة. فقد أفادت تقارير بأن الوزير تلقى إخطاراً رسمياً يفيد بأن المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي تسلمت طلباً لإصدار مذكرة توقيف بحقه، مما قد يدفعه لتصعيد الإجراءات على الأرض للهروب من الأزمات السياسية والقانونية.
ويُعد تجمع الخان الأحمر، الذي تسكنه عشيرة الجهالين، نقطة ارتكاز جغرافية بالغة الأهمية في الصراع على الأرض. فالتجمع يقع في منطقة استراتيجية تفصل بين شمال الضفة الغربية وجنوبها، ويحيط به حزام استيطاني يضم مستوطنتي 'معاليه أدوميم' و'كفار أدوميم'، مما يجعل السيطرة عليه هدفاً حيوياً للاحتلال.
وتسعى سلطات الاحتلال من خلال هدم التجمع إلى استكمال مشروع 'E1' الاستيطاني، الذي يهدف إلى عزل القدس الشرقية تماماً عن محيطها الفلسطيني. هذا المخطط يهدد بشكل مباشر إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً، حيث سيؤدي إخلاء الخان الأحمر إلى تمزيق أوصال الضفة الغربية وتحويلها إلى كانتونات معزولة.
وكان ملف الخان الأحمر قد شهد تجاذبات دولية واسعة منذ عام 2018، حين حاولت الحكومة الإسرائيلية تنفيذ الهدم لأول مرة. إلا أن الضغوط الدولية المكثفة، لا سيما من الإدارة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، أجبرت الحكومات المتعاقبة على تجميد القرار خشية التداعيات الدبلوماسية والقانونية في المحافل الدولية.
وحذرت الأمم المتحدة في مناسبات سابقة من أن أي عملية تهجير قسري لسكان الخان الأحمر قد ترقى إلى مستوى 'جريمة حرب'. وتستند هذه التحذيرات إلى القانون الدولي الذي يمنع القوة القائمة بالاحتلال من نقل السكان المدنيين قسرياً من أراضيهم، وهو ما يضع الحكومة الإسرائيلية في مواجهة مباشرة مع المجتمع الدولي.
وفي الجانب الفلسطيني، سادت حالة من الغضب والتحذير من انفجار الأوضاع الميدانية نتيجة هذا القرار التصعيدي. واعتبرت فعاليات وطنية وقانونية أن استهداف الخان الأحمر هو استهداف للوجود الفلسطيني في القدس برمتها، داعية إلى تكثيف الرباط الشعبي في التجمع لمواجهة آليات الهدم المتوقعة في أي لحظة.
ويرى محللون سياسيون أن سموتريتش يستغل حالة الاضطراب الداخلي في إسرائيل والجدل حول تبكير الانتخابات لتعزيز شعبيته لدى اليمين المتطرف. فمن خلال الدفع بملفات الاستيطان والتهجير، يحاول الوزير تثبيت أقدامه كزعيم للتيار الاستيطاني القادر على تنفيذ الوعود الأيديولوجية رغم المعارضة الدولية والمحلية.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن التجمعات البدوية في محيط القدس تعاني من تضييق مستمر يشمل منع البناء وهدم المنشآت التعليمية والصحية. ويهدف هذا التضييق الممنهج إلى دفع السكان للرحيل 'طوعاً' بعد استحالة سبل العيش، وهو ما فشل فيه الاحتلال حتى الآن أمام صمود أهالي الخان الأحمر.
إن تنفيذ قرار الإخلاء الفوري سيؤدي إلى تشريد أكثر من 200 نسمة، أغلبهم من الأطفال والنساء، الذين يعيشون في ظروف قاسية أصلاً. وتفتقر المنطقة إلى البنية التحتية الأساسية بسبب القيود الإسرائيلية، ومع ذلك يصر السكان على البقاء في أرضهم التي لجأوا إليها بعد تهجيرهم الأول في عام 1948.
وعلى الصعيد الاقتصادي، زعم سموتريتش في تصريحاته أنه نجح في الحفاظ على استقرار الاقتصاد الإسرائيلي رغم الحرب متعددة الجبهات. إلا أن معارضيه يرون أن سياساته المتطرفة في الضفة الغربية تزيد من الأعباء المالية والأمنية على الدولة، وتدفع نحو مزيد من العزلة الدولية التي ستؤثر سلباً على الاستثمارات والاقتصاد.
وفي الختام، يبقى مصير الخان الأحمر معلقاً بين إصرار اليمين المتطرف على الهدم وبين القدرة الفلسطينية والدولية على لجم هذا التوجه. إن الأيام القادمة ستكون حاسمة في تحديد وجهة الصراع في هذه المنطقة الاستراتيجية، وسط مخاوف حقيقية من أن يؤدي القرار إلى موجة جديدة من التصعيد الشامل في الأراضي المحتلة.
المصدر:
القدس