آخر الأخبار

قرار إسرائيلي بمصادرة عقارات باب السلسلة في القدس القديمة

شارك

أقرت الحكومة الإسرائيلية رسمياً مخططاً استيطانياً جديداً يهدف إلى الاستيلاء على مجموعة من العقارات والمحال التجارية المملوكة للفلسطينيين في طريق باب السلسلة التاريخي داخل البلدة القديمة بالقدس المحتلة. ويأتي هذا القرار تفعيلاً لأمر وقعه وزير التراث الإسرائيلي قبل نحو عشرة أشهر، مما يمهد الطريق لإخلاء السكان والتجار من واحدة من أكثر المناطق حساسية وملاصقة للمسجد الأقصى المبارك.

وأفادت مصادر محلية في محافظة القدس بأن سلطات الاحتلال تسعى من خلال هذا المخطط إلى تحويل المنطقة لما يسمى بـ 'شارع النزاع'، تمهيداً لضمها بشكل كامل إلى 'الحي اليهودي'. وتهدف هذه الخطوة إلى تغيير الطابع الديموغرافي والجغرافي للمنطقة التي تبعد خطوات قليلة عن المصلى القبلي وقبة الصخرة، مما يثير مخاوف جدية حول مستقبل الوجود الفلسطيني هناك.

من جانبها، حذرت محافظة القدس في بيان رسمي من تداعيات هذا التصعيد الاستعماري، معتبرة إياه مرحلة جديدة من التهجير القسري وإحكام السيطرة على الممتلكات التاريخية. وأكدت المحافظة أن استهداف حي باب السلسلة يمثل محاولة لفرض واقع تهويدي جديد وتفريغ الممرات الحيوية المحيطة بالأقصى من سكانها الأصليين لصالح المستوطنين.

وتشير التقديرات إلى أن القرار يشمل ما بين 15 إلى 20 عقاراً ومحلًا تجارياً تعود ملكيتها لعائلات مقدسيّة عريقة سكنت المنطقة منذ قرون. وتعيش هذه العائلات حالة من القلق الشديد منذ صدور الأنباء عن تحويل المصادرة إلى أمر واقع، خاصة في ظل انعدام المسارات القانونية الفعالة لمواجهة قرارات حكومة الاحتلال المتطرفة.

وأوضحت مصادر إعلامية أن الحكومة الإسرائيلية تبرر هذه المصادرات بأنها جزء من خطة لتعزيز السيادة في قلب القدس القديمة، وتوسيع نفوذ 'شركة تطوير الحي اليهودي'. وتعتبر هذه الشركة الجهة التنفيذية الموكلة بإدارة العقارات المصادرة وتحويلها إلى بؤر استيطانية أو مرافق تخدم السياحة الاستيطانية في المنطقة.

وفي قراءة تاريخية للقرار، أكد خبراء في شؤون الاستيطان أن الأرضية القانونية التي استند إليها الاحتلال تعود إلى عام 1968، حين تمت مصادرة 116 دونماً في البلدة القديمة بذريعة 'المصلحة العامة'. ومنذ ذلك الحين، تواصل سلطات الاحتلال قضم العقارات الفلسطينية المتبقية ضمن تلك المساحة لتوسيع رقعة الاستيطان التي تضاعفت مساحتها عشرات المرات.

وتشير البيانات التاريخية إلى أن 'حارة اليهود' لم تكن تتجاوز مساحتها 5 دونمات قبل عام 1948، إلا أنها تمددت لتصل اليوم إلى 130 دونماً على حساب الأملاك العربية الخاصة. وقد تم نقل ملكية هذه الأراضي تدريجياً من أملاك خاصة إلى 'أملاك دولة' ثم مُنحت للجمعيات الاستيطانية والمستوطنين الذين يتجاوز عددهم الآن 4500 فرد.

حي باب السلسلة يُعد من أهم الممرات التاريخية المؤدية إلى المسجد الأقصى، واستهدافه يحمل أبعادا سياسية ودينية تتجاوز البعد العقاري.

وتضم المنطقة المستهدفة معالم إسلامية وتاريخية لا تقدر بثمن، تعود للعصور الأيوبية والمملوكية والعثمانية، ومن أبرزها 'المدرسة الطشتمرية' التي أسسها الأمير المملوكي طشتمر العلائي. وتضم هذه المدرسة ضريحاً تاريخياً ومرافق كانت تستخدم لتعليم علوم الدين وتحفيظ القرآن، وهي اليوم مهددة بالوقوع تحت السيطرة الكاملة للمستوطنين.

كما يقع في ذات المحيط مقر الهيئة الإسلامية العليا التي يرأسها الشيخ عكرمة صبري، بالإضافة إلى أسواق تاريخية مثل 'سوق الشوايين' و'سوق المبيضين'. وتعتبر هذه المعالم جزءاً أصيلاً من الذاكرة الجمعية للمقدسيين، حيث كانت تشكل عصب الحياة الاجتماعية والاقتصادية والدينية المؤدية إلى ساحات المسجد الأقصى.

ويرى باحثون في تاريخ القدس أن الاحتلال اختار هذا التوقيت لتنفيذ المصادرات لأن الظروف السياسية الحالية توفر له غطاءً لتمرير مشاريع كانت مؤجلة لعقود. فبالرغم من مرور 58 عاماً على قرار المصادرة الأول، إلا أن التنفيذ الفعلي لإخلاء هذه العقارات الحساسة ظل متعثراً حتى وصول الحكومة اليمينية الحالية إلى سدة الحكم.

ومن المتوقع أن يؤدي تنفيذ هذا القرار إلى تقييد حركة المصلين الفلسطينيين الواصلين إلى المسجد الأقصى عبر باب السلسلة، نظراً للإجراءات الأمنية المشددة التي سترافق الوجود الاستيطاني الجديد. ويهدف الاحتلال من ذلك إلى خلق فضاء استعماري مغلق يسهل اقتحامات المستوطنين ويقلل من الاحتكاك مع السكان الأصليين عبر طردهم.

وتبرز أسماء عائلات مقدسيّة مثل النمّري، غنيم، البشيتي، والجاعوني كأكثر المتضررين من هذا القرار، حيث تقع منازلهم ومتاجرهم في الخطوط الأمامية للمنطقة المستهدفة. وتؤكد هذه العائلات تمسكها بحقوقها التاريخية رغم الضغوط والملاحقات التي تمارسها شرطة الاحتلال وأجهزته المختلفة لدفعهم نحو الرحيل الطوعي أو القسري.

إن طريق باب السلسلة لا يمثل مجرد ممر جغرافي، بل هو شاهد على صمود المرابطين الذين تصدوا للاقتحامات المتكررة على مدار السنوات الماضية. وقد شهدت جدران هذا الزقاق التاريخي مواجهات عنيفة سالت فيها دماء الفلسطينيين دفاعاً عن هوية المدينة المقدسة ومقدساتها الإسلامية والمسيحية.

ختاماً، يندرج هذا المخطط ضمن رؤية إسرائيلية شاملة تهدف إلى 'التهويد البصري' والسيادي للقدس القديمة، عبر محو الوجود الفلسطيني المادي والمعنوي. وتستمر سلطات الاحتلال في استغلال القوانين العنصرية لتغيير معالم المدينة، وسط تحذيرات دولية وفلسطينية من أن هذه الخطوات قد تؤدي إلى انفجار الأوضاع في المنطقة برمتها.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا