شهدت الساحة الفلسطينية مؤخراً حراكاً داخلياً تمثل في انتخابات الحركتين المركزيتين، فتح وحماس، حيث احتفى أنصار الطرفين بنتائج اعتُبرت مساراً لتجديد البناء التنظيمي. ومع ذلك، تباينت القراءات حول هذه المخرجات بين من يراها خطوة صحية ومن ينتقد قدرتها على إحداث تغيير حقيقي في الأداء السياسي العام.
تشير المعطيات الراهنة إلى أن فرص بروز تيار ثالث يكسر حدة القطبية التقليدية تبدو ضئيلة جداً، على الأقل خلال الأعوام الأربعة القادمة. ويترسخ في الوعي الجمعي أن التجاذب بين القطبين الكبيرين سيظل هو المحرك الأساسي للحياة السياسية الفلسطينية رغم كل الانتقادات الموجهة لهما.
تتزامن هذه الحالة السياسية مع مهددات متسارعة، أبرزها بروز نزعات انفصالية في قطاع غزة يغذيها الاحتلال والظروف الإنسانية القاسية. هذا التآكل في المنظومة السياسية الموحدة يفتح الباب أمام سيناريوهات معقدة تهدد وحدة التمثيل الوطني الفلسطيني في المحافل الدولية.
على الصعيد الشعبي، يلاحظ وجود برود جماهيري واضح تجاه الانخراط في العمل السياسي المنظم، نتيجة لارتفاع كلفة الانتماء وجمود الهياكل التنظيمية. هذا العزوف أدى إلى تراجع قدرة الفصائل على إقناع الشارع بجدوى المشاركة في ظل غياب النتائج الملموسة على الأرض.
في ظل هذا الإرباك المؤسساتي، بدأت البنى العشائرية والقطاعات المصلحية في الصعود كبدائل توفر الحماية والمساندة للمواطنين. هذا التحول يعكس حالة من فقدان الثقة في المؤسسات السياسية الرسمية والبحث عن أطر تقليدية أكثر قدرة على تلبية الاحتياجات الآنية.
تعاني الحركة السياسية الفلسطينية من عجز واضح في صياغة برنامج وطني جامع يستجيب لتعقيدات المرحلة الحالية وتحدياتها الكبرى. هذا الفراغ البرامجي يسهل الطريق أمام القوى الدولية لفرض مسارات أحادية الجانب تتجاوز الأطر التمثيلية القائمة.
تزداد المؤشرات على أن الولايات المتحدة وإسرائيل تسعيان لاختبار تكوينات سياسية جديدة بديلة عن المؤسسات الفلسطينية الحالية. هذه المحاولات تهدف إلى خلق واقع سياسي جديد يتماشى مع الرؤى الأمنية والسياسية للقوى الخارجية بعيداً عن الثوابت الوطنية.
يبقى السؤال الجوهري قائماً حول مدى قدرة الانتخابات الداخلية على إحداث تحول نوعي في الخطاب والممارسة السياسية. حتى اللحظة، لا تزال المؤشرات توحي بإعادة إنتاج الأنماط القديمة ذاتها التي حكمت العمل التنظيمي خلال السنوات الماضية دون تغيير جوهري.
يحتاج المشروع الوطني الفلسطيني في هذه المرحلة الدقيقة إلى استعادة الثقة المجتمعية عبر بناء بنية تمثيلية مقنعة. يجب أن تعكس هذه البنية القوى ذات الوزن الشعبي الحقيقي بعيداً عن المحاصصة الضيقة التي أرهقت الحالة الوطنية.
إن صياغة برنامج عملي يلامس هموم الناس اليومية ويخفف من جراحهم الاقتصادية والاجتماعية بات ضرورة قصوى. المواطن الفلسطيني في الضفة وغزة يحتاج إلى رؤية سياسية تتقاطع مع احتياجاته المعيشية وتوفر له مقومات الصمود فوق أرضه.
يجب وضع رؤية سياسية مرحلية للسنوات الخمس المقبلة تركز بشكل أساسي على وقف حرب الإبادة والتصدي للتغول الاستيطاني. هذه الرؤية يجب أن تضع تعزيز صمود الفلسطينيين في مواجهة سياسات التهجير القسري على رأس أولوياتها الوطنية.
من الضروري وقف النزيف في الوعي الوطني من خلال حماية حقوق عائلات الشهداء والأسرى والجرحى، لما يمثلونه من رمزية أخلاقية. أي مساس بهذه الملفات يضعف الجبهة الداخلية ويؤثر سلباً على الروح المعنوية للشعب الفلسطيني في مواجهة التحديات.
تتطلب المرحلة إعادة هيكلة شاملة لمؤسسات السلطة لتعزيز الكفاءة في قطاعات حيوية مثل الصحة والتعليم والأمن الداخلي. يجب أن تقوم آليات الاختيار والتوظيف على معايير الكفاءة والمهنية لضمان تقديم أفضل الخدمات للمواطنين وحماية حقوق الموظفين.
ختاماً، فإن الموازنة بين الحراك الدبلوماسي النشط والصمود الشعبي الميداني هي السبيل الوحيد لمواجهة مشاريع السيطرة الإسرائيلية. إن الواقع يفرض على القوى السياسية الوصول إلى الحد الأدنى من العمل المشترك لتجاوز دائرة الجمود التي طال أمدها.
المصدر:
القدس