آخر الأخبار

تاريخ الحزب الشيوعي الفلسطيني: قراءة في كتاب محمد منصور أبو

شارك

يفتح كتاب 'الحزب الشيوعي الفلسطيني من التأسيس إلى التغيير' للباحث محمد منصور أبو ركبة، ملفاً شائكاً في التاريخ السياسي الفلسطيني المعاصر. تستعرض الدراسة الصادرة عن دار الصومعة عام 2026، مسار واحدة من أقدم الحركات السياسية في المنطقة، والتي شهدت تداخلات معقدة بين الأيديولوجيا الأممية والسؤال القومي التحرري.

تؤكد القراءة التاريخية أن الشيوعية في فلسطين كانت من الطليعة التي تصدت للاستعمار الاستيطاني منذ بداياته الأولى تحت الانتداب البريطاني. وقد وجه الحزب نضالاته ضد الهجرة اليهودية الممنهجة، محذراً من خطورتها في تغيير الديموغرافيا الوطنية وتشكيل أغلبية غريبة في البلاد.

حدد الشيوعيون الأوائل هدفهم الرئيس في تصفية الاحتلال وضمان حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره عبر حكومة ديمقراطية مستقلة. ورغم رفضهم الأولي لمشاريع التقسيم، إلا أن موازين القوى الدولية آنذاك دفعتهم للموافقة على قرار الأمم المتحدة رقم 181 لعام 1947.

شكلت مسألة الوحدة الوطنية ركيزة أساسية في أدبيات الحزب، حيث نُظر إليها كضرورة علمية لتحليل واقع الطبقات الاجتماعية ومصالحها. وانتقد الحزب حصر الوحدة في الفصائل المسلحة فقط، داعياً لتوسيع القاعدة التمثيلية لتشمل القوى الشعبية والاقتصادية المعادية للاحتلال.

بدأ النشاط الشيوعي في فلسطين يمتد إلى المحيط العربي في منتصف العشرينيات، مما أثار قلق سلطات الانتداب البريطاني والفرنسي. ورأى الحزب أن المشرق العربي وحدة واحدة ذات مصالح مشتركة، وأن التجزئة الحاصلة هي نتاج تسويات استعمارية متضاربة.

فرضت بريطانيا حصاراً فكرياً مشدداً لمنع تسرب مبادئ الثورة الروسية إلى فلسطين، خوفاً من تأثيراتها المعادية للإمبريالية. ومع ذلك، وصلت هذه الأفكار عبر الوافدين الذين تأثروا بالتحولات العالمية، مما ساهم في تشكيل النواة الأولى للحركة العمالية والنقابية.

تأسس الحزب رسمياً في مدينة يافا عام 1919، وسرعان ما انضم إلى 'الكومنترن' في موسكو ليكون جزءاً من المنظومة الشيوعية العالمية. وحذر قادته الأوائل من الانقياد وراء السياسات الصهيونية، داعين للبحث عن صيغ للتعايش القائم على العدالة الاجتماعية.

أدرك الشيوعيون الفلسطينيون مبكراً أنه من أجل هزيمة قوى الاستعمار والصهيونية لا بد من تحالف القوى الوطنية على أساس معاداة الإمبريالية.

برزت إشكالية 'تعريب الحزب' كواحدة من أكثر القضايا تعقيداً في مسيرته، حيث واجهت مقاومة من بعض العناصر اليهودية داخل القيادة. وكان شرط الكومنترن واضحاً بضرورة منح العرب دوراً قيادياً يتناسب مع كونهم الأغلبية الساحقة في البلاد.

لحل أزمة الكوادر، أوفد الحزب أول مجموعة من الشيوعيين العرب إلى موسكو عام 1927 لتلقي التثقيف السياسي والتنظيمي. وكان من بين هؤلاء القادة رضوان الحلو ونجاتي صدقي، الذين لعبوا دوراً محورياً في توجيه نشاط الحزب نحو الفلاحين والعمال العرب.

في عام 1943، تأسست 'عصبة التحرر الوطني' كإطار يساري وطني عريض يضم المثقفين والعمال العرب في فلسطين. ولم تكن العصبة مجرد انشقاق حزبي، بل مثلت طليعة سياسية تهدف لحماية المطالب الاجتماعية والاقتصادية للجماهير في مواجهة الاستعمار.

أكد أميل توما، أحد أبرز قادة العصبة أن هذا التنظيم ولد من حاجة المجتمع الفلسطيني لحزب يحمل التراث التقدمي للأمة. واعتبرت العصبة نفسها جزءاً لا يتجزأ من الحركة الوطنية الفلسطينية، مع التركيز على البعد الطبقي في الصراع ضد الإمبريالية.

بعد عام 1948 وإقامة دولة الاحتلال، واجه الشيوعيون العرب تحولات دراماتيكية في واقعهم السياسي والتنظيمي. فبينما وافق البعض على قرار التقسيم واندمج في أطر جديدة، عارض آخرون هذا المسار مما أدى لبروز أزمات فكرية عميقة داخل الحركة.

شهدت فترة ما بعد النكبة انقساماً في المواقف تجاه السياسات الإسرائيلية والاتحاد السوفيتي والمد القومي العربي بقيادة جمال عبد الناصر. وناضل التيار المناهض للصهيونية داخل الحزب ضد الحكم العسكري المفروض على الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 1948.

يختتم الكتاب بتوثيق دور المثقفين والشعراء الشيوعيين الذين تحولوا إلى رموز وطنية رسخت جذورها في تراب الوطن. وقد قدم هؤلاء نماذج للتضحية في الدفاع عن حقوق الكادحين، مما جعل من المدرسة الشيوعية رافداً أساسياً للفكر الثوري الفلسطيني.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا