كشفت مصادر إعلامية عبرية، اليوم الجمعة، عن فحوى رسالة مطولة وصفت بالسرية للغاية، بعث بها قادة كتائب القسام صبيحة السابع من أكتوبر 2023 إلى الأمين العام السابق لحزب الله حسن نصر الله. الرسالة التي حملت توقيع يحيى السنوار ومحمد الضيف ومروان عيسى، عُثر عليها وفقاً للتقارير داخل أحد الأنفاق الاستراتيجية التابعة لحركة حماس في قطاع غزة بعد عمليات تفتيش دقيقة أجراها جيش الاحتلال.
استُهلت الرسالة بإبلاغ قيادة حزب الله بأن آلاف المقاتلين قد بدأوا بالفعل عملية واسعة النطاق تستهدف المستوطنات والمواقع العسكرية والمطارات في غلاف غزة والمنطقة الجنوبية. وأوضحت الوثيقة أن الهدف من هذا التحرك هو توجيه ضربة غير مسبوقة للكيان الصهيوني رداً على الانتهاكات المتزايدة في المسجد الأقصى المبارك، والتي وصلت إلى حد إقامة طقوس تلمودية ومحاولات التقسيم الزماني والمكاني.
شددت قيادة القسام في رسالتها على أن التحضيرات للعملية جرت وسط إجراءات أمنية مشددة، حيث تم حجب التفاصيل حتى عن قيادات بارزة في الحركة لضمان عنصر المفاجأة. وأشارت الرسالة إلى أن الحفاظ على سرية التوقيت كان ضرورة قصوى لمنع الاحتلال من تنفيذ أي ضربة استباقية قد تجهض الهجوم قبل انطلاقه، مؤكدة أن النجاح يعتمد على مباغتة المنظومة الأمنية الإسرائيلية.
استعرضت الرسالة سلسلة من الدوافع التي أدت لانفجار الأوضاع، وعلى رأسها ما يتعرض له المصلون والمرابطون في القدس من اعتداءات وحشية وعمليات اعتقال وتنكيل. واعتبر القادة الموقعون على الرسالة أن الاحتلال يسعى بشكل حثيث لهدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل المزعوم، مستشهداً بجلب «البقرات الحمراء» كدليل على جدية المخططات الصهيونية لتهويد القبلة الأولى للمسلمين.
ولم تغفل الرسالة الأوضاع في الضفة الغربية، حيث رصدت تصاعد عمليات الاغتيال وهدم المنازل في جنين ونابلس والخليل، معتبرة أن الصمت على هذه الجرائم لم يعد ممكناً. وأكدت قيادة المقاومة أن المعركة تحت عنوان «القدس» هي الوحيدة القادرة على توحيد الأمة وحشد الطاقات الشعبية والرسمية خلف خيار المواجهة الشاملة مع المشروع الصهيوني.
وفي تحليل استراتيجي لافت، حذرت الرسالة من سياسة إسرائيلية تهدف إلى «تجزئة الصراع»، عبر الاستفراد بكل ساحة من ساحات المقاومة على حدة لتجنب المواجهة الإقليمية. وأوضحت أن الاحتلال يسعى لافتعال أزمات داخلية في أراضي الـ48، وملاحقة المقاومة في الضفة، وقصف المطارات في سوريا، وذلك لتقليل فرص التنسيق بين أطراف المحور وإضعاف دوافع المشاركة الجماعية.
وجهت الرسالة دعوة صريحة ومباشرة لحزب الله وبقية قوى المحور للانخراط الفوري في القتال، مشددة على أن قصفاً صاروخياً مركزاً على الشرايين الحيوية للاحتلال سيؤدي لنتائج حاسمة. واقترحت الخطة تنفيذ هجمات مكثفة بالطائرات المسيرة بالتوازي مع الرشقات الصاروخية لاستنزاف منظومات الدفاع الجوي وشل قدرة سلاح الجو الإسرائيلي عن العمل بفعالية.
أكدت قيادة القسام في وثيقتها أن توسيع دائرة الاشتباك لتشمل عدة جبهات لمدة يومين أو ثلاثة أيام فقط كفيل بتحقيق انهيار سريع في المنظومة الدفاعية للاحتلال. ورأت الرسالة أن هذه المشاركة ستضع إسرائيل في حالة صدمة وجودية، مما يمهد الطريق لعمليات برية أوسع تهدف للسيطرة على الأرض وتغيير الواقع الجيوسياسي في المنطقة بشكل جذري ودائم.
وحذرت الرسالة بلهجة حازمة من أن «ثمن التردد سيكون مرتفعاً»، ليس فقط على مستوى القضية الفلسطينية بل على مشروع المحور بأكمله بما في ذلك إيران وسوريا. واعتبرت أن أي تأخير في إسناد غزة سيعطي الاحتلال فرصة لاستعادة الردع وتنفيذ ضربات انتقامية واسعة، مؤكدة أن اللحظة التاريخية تتطلب شجاعة في اتخاذ قرار المواجهة المباشرة.
على الصعيد السياسي، اقترحت الرسالة تبني خطاب إعلامي ذكي يركز على إلزام الاحتلال بالقرارات الدولية والقانون الدولي بدلاً من استخدام شعارات التدمير الشامل. ويهدف هذا التوجه، بحسب الوثيقة، إلى تحييد القوى الغربية وتقليص احتمالات تدخلها العسكري المباشر إلى جانب إسرائيل، عبر تقديم المعركة كدفاع مشروع عن الحقوق والمقدسات.
تطرقت الوثيقة أيضاً إلى مخاطر مسار التطبيع الإقليمي، خاصة الجهود التي كانت تبذل لدمج إسرائيل في المنطقة العربية، معتبرة إياها تهديداً استراتيجياً لمحور المقاومة. ورأت قيادة حماس أن نجاح هجوم السابع من أكتوبر سيعمل على تحطيم هذه المسارات وإعادة القضية الفلسطينية إلى صدارة المشهد العالمي، مما يؤدي لإفشال مخططات تصفية القضية.
وصفت الرسالة الكيان الصهيوني بأنه «أوهن من بيت العنكبوت»، مستشهدة بحالة الانقسام الداخلي والأزمات السياسية التي كانت تعصف بالمجتمع الإسرائيلي قبل الحرب. وأعرب القادة عن ثقتهم بأن ضربة منسقة من كافة الجبهات ستؤدي إلى تفكك هذا الكيان الذي يعاني من تصدعات عميقة في بنيته العسكرية والاجتماعية، وهو ما يتطلب استغلال اللحظة.
ختمت الرسالة بالتأكيد على أن هذه المعركة ستغير المعادلات والقواعد التي سادت لعقود، وستنهي مرحلة التنسيق الأمني واتفاقيات أوسلو التي كبلت الشعب الفلسطيني. وشدد الموقعون على أن الهدف الأسمى هو تحقيق تحول تاريخي يذيب الفوارق الطائفية ويجمع الأمة تحت راية واحدة لمواجهة العدو المشترك وتحرير المقدسات من دنس الاحتلال.
تأتي هذه التسريبات في وقت حساس، حيث تعيد رسم صورة التنسيق بين قوى المقاومة قبل اندلاع الحرب، وتكشف عن حجم التوقعات التي كانت تعقدها حماس على حلفائها. وتظل هذه الوثيقة، وفقاً لمراقبين، دليلاً على التخطيط الاستراتيجي المعقد الذي سبق العملية، ومحاولة جادة من قيادة القسام لفرض واقع «وحدة الساحات» منذ اللحظات الأولى للقتال.
المصدر:
القدس