آخر الأخبار

القدس والنكبة 78: كيف يواجه المسجد الأقصى مشاريع التصفية؟

شارك

يحيي الشعب الفلسطيني الذكرى الثامنة والسبعين للنكبة في ظل ظروف استثنائية، حيث تتواصل فصول التهجير والمجازر التي بدأت عام 1948 وصولاً إلى حرب الإبادة الجماعية الراهنة في قطاع غزة. هذه المحطات التاريخية تعيد التذكير بجذور الصراع القائم على التطهير العرقي، حيث شردت العصابات الصهيونية قديماً قرابة مليون فلسطيني، بينما تواصل الآلة العسكرية اليوم تدمير الحاضر والمستقبل.

تأتي هذه الذكرى الأليمة بينما يسجل التاريخ الحديث أرقاماً مفجعة لضحايا العدوان المستمر منذ السابع من أكتوبر، حيث تجاوز عدد الشهداء 72 ألفاً والجرحى 172 ألفاً. إن هذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات، بل هي انعكاس لسياسة ممنهجة تهدف إلى كسر إرادة الشعب الفلسطيني وإنهاء وجوده على أرضه التاريخية، في امتداد مباشر لجرائم عام 1948.

أوضح الباحث في شؤون القدس، زياد ابحيص أن حرب الإبادة الحالية تمثل ذروة مشروع تصفية بدأ الاحتلال بتنفيذه فعلياً منذ عام 2017. ولم تكن هذه الحرب مجرد رد فعل عسكري، بل هي خطوة استراتيجية تهدف إلى فرض واقع نهائي على الأرض الفلسطينية قبل تغير موازين القوى الدولية وتراجع الهيمنة الأمريكية المطلقة.

يرى مراقبون أن صعود التيارات الصهيونية الدينية إلى سدة الحكم في الكيان الإسرائيلي قد سرّع من وتيرة مخططات 'حسم الصراع'. ويسعى هذا التيار إلى تحويل كامل فلسطين التاريخية إلى دولة يهودية نقية عرقياً، مع التركيز على تحويل المسجد الأقصى إلى 'هيكل' مزعوم وطمس الهوية العربية لمدينة القدس المحتلة بشكل كامل.

تتضمن رؤية التصفية الإسرائيلية محاور عدة، أبرزها شطب حق العودة من خلال استهداف وكالة 'الأونروا' باعتبارها الشاهد الدولي على قضية اللاجئين. كما يسعى الاحتلال إلى إلغاء أي تمثيل سياسي للفلسطينيين، وفرض هيمنة إقليمية عبر مسارات تطبيع تتجاوز الاتفاقات التقليدية لتصل إلى دمج الكيان عضوياً في المنطقة.

لقد برز المسجد الأقصى كعنوان مركزي في مواجهة محاولات الحسم هذه، حيث شهدت السنوات الأخيرة هبات شعبية متلاحقة انطلقت من رحابه. من هبة باب الأسباط عام 2017 إلى هبة باب الرحمة، وصولاً إلى معركة 'سيف القدس' التي اندلعت دفاعاً عن حي الشيخ جراح والمقدسات، ظل الأقصى المحرك الأساسي للمقاومة.

تؤكد الوقائع الميدانية أن المسجد الأقصى كان حاضراً في خمس من أصل سبع مواجهات كبرى خاضها الفلسطينيون ضد مشاريع التصفية بين عامي 2017 و2023. إن هذا الارتباط الوثيق بين القدس والميدان يعكس وعي الشعب الفلسطيني بأن حسم المعركة في المقدسات يعني حسم مصير القضية الفلسطينية برمتها.

المسجد الأقصى يظل قطب التغيير في موازين القوى، وهو البوابة التي ستشق طريقاً لما بعد حرب الإبادة لاستئناف مسار منع التصفية.

جاءت معركة 'طوفان الأقصى' لتمثل تحولاً استراتيجياً من مرحلة الدفاع ومنع التصفية إلى مرحلة محاولة فرض التراجعات على المشروع الصهيوني. ورغم الثمن الباهظ الذي يدفعه قطاع غزة، إلا أن المعركة أعادت ترتيب الأولويات الوطنية وجعلت من القدس والمسجد الأقصى قضية عالمية لا يمكن تجاوزها.

يحاول الاحتلال اليوم استغلال حرب الإبادة في غزة لفرض واقع جديد في المسجد الأقصى، مستفيداً من انشغال العالم بالمجازر وتدمير البنية التحتية. وتتبع سلطات الاحتلال منهجية تدريجية في العدوان على المسجد، مع الاستعداد للانتقال إلى ضربات حاسمة تهدف إلى تغيير الوضع القائم 'الستاتيكو' بشكل نهائي.

رغم سياسات الإغلاق والترهيب، أثبت المرابطون في القدس أن المسجد الأقصى لا يزال قطب التغيير ومصدر الاستنهاض الشعبي. فالتواجد الفلسطيني في ساحات المسجد، خاصة في المناسبات الدينية والوطنية، يرسل رسالة واضحة بأن إرادة المقاومة لم تنكسر رغم جراح الإبادة النازفة في غزة.

يشير التزامن هذا العام بين ذكرى النكبة والتقويم العبري لاحتلال القدس إلى وحدة مسارات الصراع وتكثيفها في نقطة واحدة. ويرى الاحتلال أن السيطرة المطلقة على 'المقدس' هي المفتاح للسيطرة على ما بعده، مما يجعل الدفاع عن هوية الأقصى واجباً يتجاوز البعد الديني إلى البعد الوجودي.

إن مواجهة مشاريع التصفية تتطلب استراتيجية وطنية شاملة تستند إلى صمود المقدسيين ودعم المقاومة في غزة والضفة الغربية. فالمسجد الأقصى يمثل اليوم البوابة التي يمكن من خلالها إفشال أهداف حرب الإبادة، ومنع الاحتلال من تحقيق 'نصره المطلق' المزعوم على حساب الحقوق الفلسطينية.

يحذر باحثون من الرؤى المتشائمة التي تروج لقدرة الاحتلال على فرض إرادته الكاملة في القدس، مؤكدين أن التجربة التاريخية أثبتت عكس ذلك. فكلما زاد الضغط والعدوان، تولدت موجات جديدة من المقاومة قادرة على قلب الطاولة وإعادة الصراع إلى مربعه الأول كقضية تحرر وطني.

في الختام، يبقى الحفاظ على هوية المسجد الأقصى هو الهدف المرحلي الأهم في مسيرة التحرير الطويلة، كونه يمثل الركيزة التي تحطم أوهام التصفية. إن دماء الشهداء في غزة وتضحيات المرابطين في القدس ترسم معاً معالم مرحلة ما بعد الإبادة، حيث لا مكان للتنازل عن الثوابت الوطنية وفي مقدمتها القدس والعودة.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا