آخر الأخبار

مخططات تهويد القدس وطمس الخط الأخضر: دراسة تاريخية وميدانية

شارك

لم تكن نكبة عام 1948 مجرد تحول سياسي عابر في تاريخ القدس، بل مثلت زلزالاً جغرافياً وديمغرافياً أطاح بهوية المدينة العربية. فمع احتلال الشطر الغربي، فقد المقدسيون عشرات القرى والأحياء التي كانت تمثل القلب الاقتصادي والاجتماعي النابض للمدينة، مما فرض واقعاً مريراً فصل العائلات عن ممتلكاتها التاريخية.

أوضح الأكاديمي منصور النصاصرة، المحاضر في جامعة بئر السبع أن اتفاق الهدنة عام 1949 كرس تقسيماً وصفه بـ 'الكولونيالي'. هذا التقسيم حصر الوجود الفلسطيني في الشطر الشرقي الذي لم يتجاوز 20% من مساحة القدس الكلية قبل النكبة، مما حول أحياء مثل الشيخ جراح إلى ملاذ للمهجرين من القرى والمدن المحتلة.

شكلت 'بوابة مندلبوم' الرمز الأبرز لتجزئة المدينة، حيث كانت النقطة الحدودية الوحيدة بين الإدارة الأردنية وسلطات الاحتلال. وقد أطلق عليها الفلسطينيون اسم 'بوابة الدموع' نظراً للمشاهد الإنسانية القاسية التي كانت تشهدها عند لقاء العائلات المشتتة بين الشتات والداخل تحت إشراف دولي.

عقب احتلال الشطر الشرقي عام 1967، بدأت إسرائيل مرحلة جديدة من المحو الممنهج لما كان يعرف بالخط الأخضر. واعتبر النصاصرة أن السنوات الأربع الأولى بعد النكسة كانت 'مصيرية' في ترسيخ سيادة الاحتلال القسرية عبر إجراءات عمرانية وسياسية متسارعة استهدفت قلب المدينة القديمة.

تمثلت أولى خطوات هذا المخطط في هدم الجدار الفاصل الذي كان يمتد من الشيخ جراح حتى باب الخليل، لإزالة أي عائق مادي يذكر بالتقسيم. وتزامن ذلك مع عمليات 'إبادة عمرانية' شملت هدم حارة المغاربة بالكامل وتشريد سكانها، بالإضافة إلى الاستيلاء على منازل في حارة الشرف وتحويلها لما يسمى 'الحي اليهودي'.

انتقلت سلطات الاحتلال لاحقاً إلى مرحلة 'أسرلة' الفضاء العام عبر نقل مؤسساتها السيادية إلى قلب الأحياء العربية في شرقي المدينة. وشمل ذلك نقل المقر العام للشرطة الإسرائيلية ووزارة الداخلية ومقرات حرس الحدود إلى حي الشيخ جراح، لفرض واقع أمني وسياسي جديد يصعب التراجع عنه.

لعب الاستيطان الدور الأبرز في تغيير الميزان الديمغرافي، حيث ارتفع عدد المستوطنين في شرقي القدس من صفر عام 1967 إلى نحو 230 ألف مستوطن اليوم. وقد تم ذلك عبر بناء كتل استيطانية ضخمة وتغلغل البؤر الاستيطانية في أحياء سلوان ورأس العامود والمصرارة لقطع التواصل الجغرافي الفلسطيني.

تقسيم القدس عام 1949 كان تقسيماً كولونيالياً فرض واقعاً جديداً ومهّد لسياسات استهدفت طمس الهوية الفلسطينية للمدينة.

برزت منظمة 'أمانا' الاستيطانية كذراع تنفيذية قوية في هذا الصراع، حيث نقلت مقراتها إلى الشطر الشرقي لتعزيز التوسع الاستيطاني. وتهدف هذه التحركات إلى ربط شطري المدينة عمرانياً وجعل فكرة تقسيمها مستقبلاً أمراً مستحيلاً من الناحية التقنية والميدانية.

يعد مشروع 'القطار الخفيف' الذي انطلق عام 2011 أحد أخطر الأدوات التكنولوجية التي استخدمت لمحو الخط الأخضر فعلياً. فهذا المشروع يربط المستوطنات في الشمال والجنوب بمركز المدينة الغربي، متجاوزاً الحدود التاريخية ومحولاً إياها إلى مجرد ذكريات في عقول المقدسيين.

لم تكتفِ سلطات الاحتلال بالبناء، بل عمدت إلى 'تهويد الذاكرة' من خلال تغيير أسماء الشوارع والأسواق التاريخية ووضع نُصب تذكارية لقتلى جيشها في المناطق الحدودية. وفي المقابل، تمنع السلطات أي محاولة فلسطينية لتخليد الشهداء أو الحفاظ على المعالم التي تشير إلى الهوية العربية للمكان.

رغم هذه الضغوط، لا تزال بعض المؤسسات الفلسطينية تقاوم سياسات المحو، مثل مدرسة عبد الله بن الحسين وبعض المنازل التاريخية في الشيخ جراح. إلا أن هذه المعالم تواجه تهديداً مستمراً، خاصة بعد قرار حظر وكالة 'الأونروا' في نهاية عام 2024، ومحاولات الاستيلاء على مقرها الرئيسي.

أشار النصاصرة إلى أن السياسة الإسرائيلية تركزت على ضم الأرض مع السعي لتقليص الوجود البشري الفلسطيني إلى أدنى مستوياته. وتستخدم سلطات الاحتلال قوانين التنظيم والبناء وسحب الهويات كأدوات تكميلية للعمليات العسكرية والاستيطانية التي تجري على الأرض.

تظل الذاكرة الجمعية للمقدسيين هي الحصن الأخير في وجه محاولات الطمس، حيث يرفض السكان نسيان أملاكهم وبيوتهم في القدس الغربية. ورغم كل الأدوات 'الكولونيالية' المستخدمة، لا يزال الخط الفاصل حاضراً في الوعي الفلسطيني كشاهد على حقوق لا تسقط بالتقادم.

ختاماً، يؤكد التقرير أن ما يجري في القدس هو صراع على الرواية والمكان، حيث تحاول إسرائيل فرض واقع 'المدينة الموحدة' بالحديد والنار. ومع ذلك، فإن القرارات الدولية لا تزال تعتبر كل هذه التغييرات غير شرعية وعائقاً أمام أي تسوية سياسية عادلة وشاملة في المنطقة.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا