تستمر آلام النكبة الفلسطينية وذكرياتها في مرافقة اللاجئين في منافيهم المختلفة، حيث لا تزال مرارة التهجير حاضرة في الذاكرة الجمعية كأنها حدثت بالأمس. وفي ظل الغارات الإسرائيلية المتواصلة التي تستهدف الأراضي اللبنانية، يستحضر الفلسطينيون في مخيم عين الحلوة بمدينة صيدا حكايات اللجوء الأولى التي بدأت منذ عام 1948.
يحرص كبار السن في المخيمات على توريث أحفادهم أسماء قراهم وبلداتهم الأصلية، بالإضافة إلى مفاتيح بيوتهم التي حملوها معهم كرمز للإيمان الراسخ بالعودة. هذه المفاتيح ليست مجرد قطع معدنية، بل هي تجسيد لهوية وطنية تتناقلها الأجيال وترفض التنازل عن الحقوق التاريخية مهما طال أمد اللجوء.
تروي اللاجئة زكية حسنين، البالغة من العمر 79 عاماً، حكاية تهجيرها من مدينة حيفا في عام النكبة، حيث سارت عائلتها باتجاه بلدة بنت جبيل اللبنانية. وتستذكر زكية كيف قيل لعائلتها آنذاك إن الغياب لن يتجاوز يومين، لكن هذا الغياب المؤقت تحول إلى عمر كامل قضته في أزقة المخيمات.
وتضيف حسنين أن فكرة العودة ظلت المحرك الأساسي لحياتها رغم مرور ثمانية عقود تقريباً، مشددة على أنها لا تتمنى للأجيال القادمة أن تعيش المعاناة ذاتها. كما تستذكر بمرارة فقدان شقيقها خلال رحلة اللجوء الشاقة، مؤكدة ضرورة تمسك الشباب الفلسطيني بأرضهم ورفض أي بديل عنها.
من جانبها، تستعيد الحاجة بهية صالح، التي ناهزت 91 عاماً، مسار نزوحها الطويل الذي بدأ من بلدة سبلان الفلسطينية وصولاً إلى محطات متعددة في لبنان. وتصف بهية تلك السنوات بأنها كانت قاسية ومخيفة، حيث اضطروا للركض ليلاً عبر الطرق الوعرة هرباً من المجازر الصهيونية التي ارتكبت بحق قراهم.
وتشير شهادات اللاجئين إلى أن التنقل المستمر بين المناطق اللبنانية، من صور إلى عنجر ورميش، ترك أثراً عميقاً في الذاكرة الفردية والجماعية. هذه الرحلة الشاقة لم تكن مجرد هروب من الموت، بل كانت بداية لرحلة لجوء مستمرة يواجه فيها الفلسطينيون تحديات اقتصادية ومعيشية متفاقمة داخل المخيمات.
وفقاً لبيانات رسمية، يعيش قرابة 489 ألف لاجئ فلسطيني في لبنان، وهم جزء من ملايين اللاجئين المسجلين لدى وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (أونروا). وتوضح الوكالة أن نحو 45% من هؤلاء اللاجئين يقطنون في 12 مخيماً تعاني من الاكتظاظ الشديد ونقص الخدمات الأساسية.
يبرز مخيم عين الحلوة، الذي تأسس في عام النكبة، كأكبر تجمع للاجئين الفلسطينيين في لبنان، حيث يضم عشرات الآلاف من السكان. ورغم أن البيانات الرسمية تشير إلى وجود 50 ألف لاجئ مسجل، إلا أن التقديرات الميدانية تؤكد أن العدد الفعلي يتجاوز 70 ألف نسمة يعيشون في ظروف معقدة.
مصطلح النكبة يختصر مأساة تهجير نحو 957 ألف فلسطيني من مدنهم وقراهم التي دمرها الاحتلال إبان إعلان قيام إسرائيل عام 1948. ومنذ ذلك الحين، يحيي الفلسطينيون هذه الذكرى سنوياً للتأكيد على أن حق العودة هو حق مقدس لا يسقط بالتقادم، سواء في الداخل أو في الشتات.
تأتي ذكرى النكبة هذا العام في وقت يواجه فيه الشعب الفلسطيني حرب إبادة شاملة في قطاع غزة، أسفرت عن سقوط عشرات آلاف الشهداء والجرحى. هذه الحرب أعادت للأذهان مشاهد التهجير القسري والدمار الشامل الذي طال نحو 90% من البنية التحتية في القطاع المحاصر منذ سنوات طويلة.
بالتوازي مع العدوان على غزة، تشن قوات الاحتلال عدواناً موسعاً على لبنان، مما أدى إلى سقوط آلاف القتلى والجرحى ونزوح أكثر من مليون شخص. هذا التصعيد العسكري يزيد من معاناة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان الذين يجدون أنفسهم مرة أخرى تحت وطأة القصف والتهجير المتجدد.
تواصل إسرائيل احتلال الأراضي الفلسطينية وأجزاء من الأراضي السورية، ضاربة عرض الحائط بكافة القرارات الدولية التي تنص على حق تقرير المصير. وترفض سلطات الاحتلال الانسحاب من الأراضي المحتلة أو السماح بقيام دولة فلسطينية مستقلة، مما يعمق من أزمة اللاجئين في المنطقة.
في الضفة الغربية والقدس المحتلة، يكثف جيش الاحتلال والمستوطنون من اعتداءاتهم اليومية عبر القتل والاعتقال وهدم المنشآت الحيوية. هذه السياسات تهدف إلى تهجير المزيد من الفلسطينيين وتوسيع المستوطنات غير القانونية، في محاولة لتصفية القضية الفلسطينية وفرض واقع جديد على الأرض.
رغم كل هذه التحديات والحروب المتلاحقة، يبقى اللاجئ الفلسطيني في لبنان متمسكاً بهويته وجذوره الضاربة في عمق التاريخ. وتظل ذاكرة اللجوء جزءاً لا يتجزأ من الشخصية الوطنية، حيث تتوارث الأجيال الجديدة حلم العودة إلى حيفا ويافا والجليل، معتبرين أن اللجوء محطة مؤقتة مهما طال زمنها.
المصدر:
القدس