أعلنت المواطنة الفلسطينية بهية النتشة، زوجة الأسير المحرر والمبعد إلى الأراضي المصرية ماهر الهشلمون، تمسكها بالبقاء في مدينة الخليل ورفضها عرضاً من سلطات الاحتلال الإسرائيلي يسمح لها بالسفر للقاء زوجها شريطة عدم العودة نهائياً إلى فلسطين. وجاء هذا القرار بعد سلسلة من الضغوطات والابتزازات الأمنية التي مارستها مخابرات الاحتلال ضدها وضد طفليها، في محاولة لإجبارهم على الرحيل القسري تحت مسمى السفر.
ولجأت النتشة إلى دار الإفتاء الفلسطينية للحصول على رأي شرعي يحسم قرارها، حيث وجهت سؤالاً رسمياً لمفتي القدس والديار الفلسطينية الشيخ محمد حسين، حول حكم هجرة عائلات الأسرى المبعدين للاجتماع بذويهم في ظل اشتراط الاحتلال 'الذهاب بلا عودة'. وأوضحت في استفتائها حجم المعاناة والمشقة التي تتكبدها العائلات جراء الفراق القسري والمنع الأمني المستمر من السفر الطبيعي.
وفي رده الرسمي، أكد المفتي الشيخ محمد حسين أن السفر المؤقت من فلسطين لغايات محددة كالعمل أو الدراسة جائز شرعاً، بشرط توفر نية العودة الأكيدة للإقامة في الأرض المباركة. وشدد المفتي على أن الهجرة الدائمة في ظل الظروف الراهنة لا تنبغي، معتبراً أن الواجب الشرعي والوطني يحتم على الفلسطينيين الرباط في ديارهم وعدم تركها لقمة سائغة للمحتلين والغزاة.
وبناءً على هذه الفتوى، حسمت بهية النتشة موقفها بالعزوف عن السفر مع طفليها عبادة ومريم، مؤكدة عبر منصات التواصل الاجتماعي أنها لن تمنح الاحتلال مراده بتفريغ الأرض من سكانها. وقالت النتشة إنها قررت الاستفسار من جهات الاختصاص الشرعي بعدما أوصدت كافة الأبواب القانونية والحقوقية في وجهها، وبعد أن تبين لها أن المنع الأمني هو وسيلة ضغط ممنهجة للتهجير.
وكان الأسير ماهر الهشلمون قد نال حريته في صفقة التبادل الأخيرة التي جرت في أكتوبر المنصرم، إلا أن سلطات الاحتلال فرضت عليه الإبعاد إلى مصر، وحرمت عائلته من حقها الطبيعي في زيارته أو اللحاق به بشكل قانوني. وتعد عائلة الهشلمون نموذجاً لمعاناة مئات العائلات الفلسطينية التي يشتتها الاحتلال بين السجون والإبعاد والمنع من السفر.
وتعود قضية الهشلمون إلى عام 2014، حين نفذ عملية دهس وطعن استهدفت تجمعاً للمستوطنين في منطقة 'غوش عتصيون' شمال مدينة الخليل، أسفرت عن مقتل مستوطنة وإصابة آخرين. وعلى إثر ذلك، أصدرت محاكم الاحتلال بحقه حكماً خيالياً بالسجن لمدة مئتي عام، بالإضافة إلى غرامات مالية باهظة، وقضى منها نحو 11 عاماً قبل أن يتحرر بموجب صفقة التبادل.
ولم تتوقف ملاحقة الاحتلال للعائلة عند سجن الأب، بل امتدت لتشمل هدم منزلهم في الخليل وتشريد الزوجة والأطفال، إلا أن بهية النتشة أصرت على إعادة بناء حياتها واشترت شقة جديدة للعيش فيها. ورغم المداهمات المتكررة للمنزل والتهديدات المستمرة، واصلت النتشة دورها في إيصال صوت الأسرى ونشر يوميات الصمود عبر الفضاء الرقمي.
وأشارت مصادر مقربة من العائلة إلى أن الاحتلال يحاول استغلال العاطفة الإنسانية وحاجة الأطفال لوالدهم لتمرير سياسات 'الترانسفير' الصامت، وهو ما واجهته العائلة بوعي وطني وصلابة. وذكرت النتشة في مقطع فيديو مؤثر أن الألم لم يتمكن من النيل من عزيمتها، وأن روحها لا تزال متمسكة بالحياة فوق تراب فلسطين رغم كل سنوات البلاء والملاحقة.
ويعكس قرار البقاء الذي اتخذته عائلة الهشلمون حالة عامة من التحدي لدى عائلات الأسرى المبعدين، الذين يرفضون تحويل حقهم في التجمع العائلي إلى وسيلة لتصفية الوجود الفلسطيني. وتضع هذه الحادثة المؤسسات الدولية والحقوقية أمام مسؤولياتها تجاه سياسة 'المنع من السفر' التي يستخدمها الاحتلال كعقاب جماعي وأداة للضغط السياسي والتهجير القسري.
المصدر:
القدس