تستعد حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) لإطلاق أعمال مؤتمرها العام الثامن يوم الخميس القادم، في حدث تنظيمي بارز يأتي بعد تأخير دام نحو خمس سنوات عن موعده الدوري. ويحمل المؤتمر شعار 'انطلاقة متجددة، حرية، صمود، استقلال'، حيث يسعى الكادر الفتحاوي من خلاله إلى إعادة ترتيب البيت الداخلي وانتخاب هيئات قيادية جديدة قادرة على مواجهة التحديات السياسية والميدانية الراهنة.
من المقرر أن يمتد المؤتمر على مدار ثلاثة أيام متواصلة، حيث يفتتح الرئيس محمود عباس الجلسة الأولى بإلقاء كلمة سياسية شاملة في مدينة رام الله. ويهدف المؤتمر بشكل أساسي إلى انتخاب 18 عضواً للجنة المركزية للحركة، بالإضافة إلى اختيار 80 عضواً للمجلس الثوري، وهي الهيئات التي تقود دفة القرار في كبرى فصائل منظمة التحرير الفلسطينية.
تتوزع أعمال المؤتمر جغرافياً لضمان مشاركة الكادر في كافة أماكن تواجده، حيث ستكون القاعة الرئيسية في مقر الرئاسة برام الله مرتبطة عبر تقنية 'الفيديو كونفرنس' مع ثلاث قاعات أخرى. وتتوزع هذه القاعات في قطاع غزة، والعاصمة المصرية القاهرة، والعاصمة اللبنانية بيروت، لتمكين الأعضاء غير القادرين على الوصول إلى الضفة الغربية من ممارسة حقهم الانتخابي.
يصل عدد أعضاء المؤتمر في هذه الدورة إلى نحو 2580 عضواً، يمثلون مختلف الأطر التنظيمية والمفوضيات والنقابات والاتحادات الطلابية. ويتركز الثقل الأكبر للحضور في رام الله بنحو 1600 عضو، بينما يشارك من قطاع غزة 400 عضو، ومن القاهرة 300 عضو، بالإضافة إلى 200 عضو من الساحة اللبنانية، مما يعكس شمولية التمثيل الحركي.
أفادت مصادر مطلعة بأن المؤتمر يشهد هذا العام ميزات تنظيمية جديدة، من أبرزها رفع نسبة تمثيل المرأة لتصل إلى نحو 30% في الهيئات القيادية والمنتخبة. كما تم تخصيص مساحة واسعة للأسرى المحررين الذين قضوا أكثر من عشرين عاماً في سجون الاحتلال، تقديراً لتضحياتهم وضماناً لتمثيل قضيتهم في صلب القرار التنظيمي للحركة.
تتضمن شروط الترشح لعضوية المجلس الثوري واللجنة المركزية أن يكون العضو قد أمضى ما لا يقل عن عشرين عاماً من العمل المتواصل داخل أطر الحركة. ويهدف هذا الشرط إلى ضمان وصول كفاءات تمتلك الخبرة التنظيمية الكافية، حيث يتم تقديم الطلبات ومراجعتها من قبل اللجنة التنظيمية المختصة قبل عرضها على أعضاء المؤتمر للاقتراع.
فيما يخص آلية الانتخاب، أوضحت مصادر أن العملية ستتم تحت إشراف لجنة مستقلة تضم شخصيات من مؤسسات مدنية ومعلمين فلسطينيين لضمان الشفافية والنزاهة. وتبدأ الإجراءات في اليوم الأول بالتحقق من النصاب القانوني وانتخاب رئاسة المؤتمر، على أن يخصص اليوم الثاني لتقديم طلبات الترشح وإعداد القوائم النهائية للمتنافسين.
يشهد الشارع الفلسطيني ترقباً كبيراً للأسماء المرشحة، حيث أعلن رسمياً عن ترشيح الأسيرين المحررين زكريا الزبيدي وتيسير البرديني لعضوية اللجنة المركزية بالإجماع. كما يتم تداول أسماء قيادية شابة وأخرى تاريخية، وسط أنباء عن نية ياسر عباس، نجل الرئيس الفلسطيني، الترشح لعضوية اللجنة المركزية، وهو ما يثير نقاشات واسعة داخل الأوساط الحركية.
على الصعيد السياسي، من المتوقع أن يناقش المؤتمر أوراق عمل تهدف إلى تقييم المرحلة السابقة واستخلاص العبر من التطورات الميدانية والسياسية منذ عام 2016. وستركز النقاشات على تطوير البرنامج السياسي للحركة بما يتلاءم مع تصاعد الاستيطان ومشاريع الاحتلال الرامية لحسم الصراع، مع التأكيد على رؤية الحركة لمشروع التحرر الوطني.
يرى مراقبون ومحللون سياسيون أن المؤتمر الثامن يأتي في توقيت حساس جداً، حيث تواجه السلطة الفلسطينية ضغوطاً دولية وإقليمية لإجراء إصلاحات شاملة. ويعتبر البعض أن نجاح المؤتمر في إفراز قيادة شابة ومتجددة قد يساهم في استعادة الثقة الشعبية بالحركة، بينما يخشى آخرون من أن تقتصر النتائج على إعادة إنتاج الحالة القيادية الراهنة.
من بين الملفات الساخنة على طاولة المؤتمر، ملف 'برنامج البناء الوطني' الذي يسعى للفصل بين الدور النضالي لحركة فتح وبين إدارة مؤسسات السلطة الوطنية. ويهدف هذا التوجه إلى حماية الحركة من تداعيات العمل الحكومي اليومي، والتركيز على دورها كحركة تحرر وطني تقود المشروع الفلسطيني نحو الاستقلال وإقامة الدولة.
أكد المدير التنفيذي للمؤتمر أن اللجان المتخصصة تعكف حالياً على صياغة التوصيات النهائية التي ستعرض على الأعضاء لإقرارها في اليوم الختامي. وشدد على أن حركة فتح حرصت تاريخياً على دورية مؤتمراتها كأداة لتجديد الشرعيات، رغم كل المعيقات التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي أو الظروف الاستثنائية التي تمر بها الساحة الفلسطينية.
ستجرى عملية الاقتراع الفعلي في اليوم الثالث للمؤتمر، حيث تفتح صناديق الانتخاب في القاعات الأربع بالتوازي عند الساعة العاشرة صباحاً. ويشارك في مراقبة العملية ضيوف دوليون وممثلون عن فصائل العمل الوطني الفلسطيني، بالإضافة إلى وفود من أحزاب عربية ودولية صديقة، مما يضفي صبغة رسمية ودولية على هذا الاستحقاق.
ختاماً، يمثل المؤتمر الثامن لحركة فتح محطة مفصلية في تاريخ الحركة التي انطلقت عام 1965، حيث يقع على عاتق الأعضاء الـ 2580 رسم ملامح المرحلة القادمة. وسيكون على القيادة المنتخبة التعامل مع ملفات معقدة تشمل الوحدة الوطنية، ومواجهة حرب الإبادة في غزة، والتصدي لسياسات الضم والتهجير في الضفة الغربية والقدس المحتلة.
المصدر:
القدس