في قلب المأساة السودانية، تبرز قصص نساء مثل نسمة التي تبلغ من العمر 26 عاماً، والتي قررت الاحتفاظ بطفلها 'ياسر' رغم أنه نتاج جريمة اغتصاب جماعي مروعة. تروي نسمة كيف اعترض مقاتلون من قوات الدعم السريع حافلتها في الخرطوم بحري، حيث قاموا بفصل النساء عن الرجال والاعتداء عليهن بوحشية أفقدتها الوعي حتى صباح اليوم التالي.
يعد ياسر واحداً من آلاف الأطفال الذين وُلدوا في ظروف مشابهة خلال سنوات الحرب الثلاث التي مزقت السودان. وتؤكد تقارير دولية أن الاغتصاب لم يكن مجرد حوادث فردية، بل استُخدم كأداة ممنهجة للهيمنة وتدمير النسيج الاجتماعي وتغيير التركيبة السكانية في مناطق النزاع، لا سيما في العاصمة وإقليم دارفور.
وصفت ريم السالم، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالعنف ضد المرأة، هذه الممارسات بأنها ترقى إلى مستوى 'الإبادة الجماعية'. وأوضحت أن الهدف من هذه الجرائم هو كسر إرادة المجتمعات المحلية وإذلالها عبر استهداف أجساد النساء والفتيات بشكل مباشر ومتكرر.
في بلدة 'طويلة' بدارفور، تعيش حياة (20 عاماً) تجربة مماثلة بعد تعرضها للاعتداء أثناء فرارها من مخيم زمزم للنازحين. تقول حياة وهي تهدهد رضيعها إنها تتمنى له مستقبلاً أفضل بعيداً عن ويلات الحرب التي عاشتها، مؤكدة على حق هؤلاء الأطفال في حياة كريمة رغم الظروف القاسية التي أحاطت بقدومهم.
تشير وزيرة الدولة للشؤون الاجتماعية، سليمة إسحاق الخليفة، إلى أن الأرقام المعلنة لا تعكس الواقع الحقيقي لبشاعة الموقف. فمعظم الضحايا يفضلن الصمت خوفاً من 'وصمة العار' التي يفرضها المجتمع المحافظ، مما يؤدي إلى غياب التوثيق الرسمي لعدد كبير من حالات الولادة أو الإجهاض غير الآمن.
من جانبها، كشفت منسقة الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، دينيس براون، عن وجود مئات الفتيات الحوامل في بلدة واحدة بدارفور نتيجة الاغتصاب. وأبدت براون قلقها البالغ من عدم توجه هؤلاء الفتيات إلى العيادات الطبية، مما يعرض حياتهن وحياة أجنتهن لمخاطر صحية ونفسية جسيمة.
تواجه الأمهات اللواتي اخترن الاحتفاظ بأطفالهن 'ظُلماً مضاعفاً' من قبل عائلاتهن والمجتمع المحيط. ففي حالات كثيرة، تعرضت النساء للنبذ أو الطلاق، بينما اضطرت أخريات لتربية أطفالهن في الخفاء لتجنب الاتهامات بالتواطؤ مع القوات المعتدية أو التعرض للتهميش الاجتماعي.
تاريخ العنف الجنسي في دارفور يعيد نفسه، حيث تذكر الشهادات الحالية بما ارتكبته ميليشيات الجنجويد في العقد الأول من الألفية الثالثة. واليوم، تتهم مصادر حقوقية قوات الدعم السريع بممارسة نفس الأساليب ضد الأقليات العرقية غير العربية، مستخدمة الجسد الأنثوي كساحة لتصفية الحسابات السياسية والعرقية.
حليمة، شابة تبلغ من العمر 23 عاماً، تروي مأساة تعرضها للاغتصاب ثلاث مرات في محطات مختلفة من حياتها ونزوحها. ورغم قسوة تجربتها، تمكنت في المرة الأخيرة من الحصول على وسائل منع الحمل الطارئة من منظمة أطباء بلا حدود، مما أنقذها من حمل ثالث غير مرغوب فيه.
في ولاية الجزيرة، أفادت مصادر محلية بأن بعض الأسر هجرت قراها تماماً هرباً من آثار الصدمة النفسية والاجتماعية المرتبطة بالاغتصاب. وقد لجأت بعض الفتيات إلى محاولات إجهاض خطيرة باستخدام أدوية غير خاضعة للإشراف الطبي، مما أدى في حالات عديدة إلى نزيف حاد ومضاعفات هددت حياتهن.
الحكومة السودانية حاولت التدخل عبر تخفيف القيود على الإجهاض في المناطق التي استعاد الجيش السيطرة عليها، لكن الجهل بهذه القرارات والخوف من الملاحقة الاجتماعية منعا الكثيرات من الاستفادة منها. وتظل الإجراءات البيروقراطية في السجل المدني عائقاً أمام حصول هؤلاء الأطفال على شهادات ميلاد رسمية.
في الخرطوم، تروي فيحاء (30 عاماً) معاناتها مع طفلها البالغ خمسة أشهر، حيث تشعر بمزيج من الغضب والأمومة تجاهه. تقول فيحاء إنها تضطر للقيام بدور الأب والأم معاً، بينما تلاحقها ذكريات الاعتداء الذي نفذه رجل بزي مدني تحت حماية جندي يرتدي الزي العسكري.
تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن العنف الجنسي لا يقتصر على طرف واحد، رغم أن ممارسات الدعم السريع تبدو أكثر ممنهجة وواسعة النطاق. فغياب المحاسبة والرقابة داخل المؤسسات العسكرية يمنح بعض الأفراد شعوراً بالإفلات من العقاب، مما يؤدي إلى انتهاكات متفرقة تزيد من معاناة المدنيين.
بينما تحاول الحكومة إيجاد عائلات بديلة للأطفال الذين يتم التخلي عنهم، تصر أمهات مثل نسمة على مواجهة المستقبل بمفردهن. ترفض نسمة التخلي عن ابنها ياسر، وتخطط لاستخدام شهادتها الجامعية لتأمين وظيفة تضمن له حياة كريمة، مؤكدة أن طفلها يستحق الحب والرعاية بعيداً عن جرائم أبيه.
المصدر:
القدس