تترقب مدينة القدس المحتلة يومي الرابع عشر والخامس عشر من أيار/ مايو الجاري تصعيداً خطيراً من قبل سلطات الاحتلال ومنظمات الهيكل المزعوم. وتأتي هذه التحذيرات بالتزامن مع الذكرى العبرية التاسعة والخمسين لاحتلال شطر المدينة الشرقي، وسط مخاوف من فرض سوابق تاريخية تمس بهوية المسجد الأقصى المبارك.
أما المسار الثاني فيتمثل في 'مسيرة الأعلام' الاستفزازية التي تنطلق من غربي القدس باتجاه بلدتها القديمة، وصولاً إلى ساحة باب العمود. ويتخلل هذه المسيرة اعتداءات واسعة على المقدسيين وممتلكاتهم، في محاولة لتكريس الهيمنة الصهيونية على الشوارع التاريخية للمدينة المقدسة.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن الاحتلال يسعى هذا العام لتحقيق ثلاثة أهداف تصاعدية، أولها فرض الاقتحام المعتاد يوم الخميس كبديل تعويضي عن يوم الجمعة. ويطمح المستوطنون لكسر الرقم القياسي لعدد المقتحمين الذي تجاوز العام الماضي 2,100 مقتحم، وسط حماية أمنية مشددة.
وبرزت مخاوف جدية من إقدام وزير الأمن القومي، إيتمار بن غفير، على اقتحام المصليات المسقوفة مثل قبة الصخرة أو الجامع القبلي. وتأتي هذه الخطوة المحتملة بناءً على فتاوى حاخامية جديدة تهدف لتعزيز رصيده السياسي قبيل الانتخابات الإسرائيلية الوشيكة، وتقويض دور الأوقاف الإسلامية.
ويتمثل الهدف الثاني في محاولة فرض فترة اقتحام مسائية ثالثة تبدأ بعد صلاة العصر، وهو مطلب تقدم به عشرات السياسيين الصهاينة لشرطة الاحتلال. ومن شأن هذه الخطوة، في حال تنفيذها أن تمدد ساعات الاقتحام اليومية إلى تسع ساعات، مما يكرس التقسيم الزماني للمسجد بشكل دائم.
أما التحدي الأكبر فيكمن في الهدف الثالث، وهو محاولة تنظيم اقتحام رسمي للمستوطنين يوم الجمعة، وهو أمر لم يحدث منذ احتلال القدس عام 1967. ويسعى الاحتلال من خلال ذلك إلى إلغاء خصوصية الأيام والمناسبات الإسلامية، والمساواة بين 'الحق الإسلامي' والمزاعم اليهودية في المسجد.
وقد شهدت الأيام الماضية حراكاً سياسياً مكثفاً داخل معسكر اليمين الصهيوني، حيث وقع 22 سياسياً، بينهم وزراء بارزون في حزب الليكود، عريضة تطالب بفتح الأقصى للمقتحمين يوم الجمعة. ويضم الموقعون أسماء وازنة مثل نائب رئيس الوزراء ياريف ليفين ووزير الحرب إسرائيل كاتس.
ويرى مراقبون أن صمت رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو حيال هذه المطالب يعكس رغبته في إبقاء القرار بيده حتى اللحظة الأخيرة للمناورة السياسية. ويشبه هذا السلوك ما حدث في اقتحام عيد الأضحى عام 2019، حين تراجع عن وعوده بمنع الاقتحام وسمح للشرطة بفرضه بالقوة.
من جهتها، أعلنت شرطة الاحتلال عن ترتيبات أمنية واسعة تشمل إغلاق شوارع رئيسية وتأمين فعاليات ما يسمى 'يوم توحيد القدس'. ومع ذلك، تعمدت الأجهزة الأمنية الغموض بشأن الترتيبات الخاصة بيوم الجمعة، مما يعزز فرضية التحضير لمفاجأة ميدانية تستهدف المصلين.
وتواجه مخططات الاحتلال معضلة أساسية تتمثل في الحضور الفلسطيني الكثيف المتوقع في البلدة القديمة والمسجد الأقصى، خاصة في يوم الجمعة. فالتواجد البشري والرباط في باحات المسجد أثبتا تاريخياً قدرتهما على إفشال مخططات التقسيم والسيطرة، كما حدث في هبات سابقة.
وتستحضر هذه التهديدات ذاكرة معركة 'سيف القدس' عام 2021، التي انطلقت رداً على محاولات اقتحام مماثلة في شهر رمضان المبارك. ويؤكد المقدسيون أن المساس بحرمة الأقصى في يوم الجمعة يمثل تجاوزاً لكافة الخطوط الحمراء التي قد تشعل الأوضاع في كامل الأراضي الفلسطينية.
إن تزامن هذه الاعتداءات مع الذكرى الـ78 للنكبة يضفي طابعاً وجودياً على المواجهة الحالية في القدس. فالمؤسسة الصهيونية تحاول استغلال الظروف الإقليمية والدولية لتصفية قضية القدس نهائياً، عبر تحويل المسجد الأقصى من مقدّس إسلامي خالص إلى ساحة مشتركة.
ويبقى الرهان الأول والأخير على صمود المرابطين وقدرتهم على شد الرحال وتكثيف التواجد في المسجد الأقصى المبارك. إن تلاحم الحراك الشعبي في القدس مع الإسناد من الداخل والخارج يمثل الدرع الحقيقي القادر على صد موجات العدوان وحماية الهوية العربية والإسلامية للمدينة.
المصدر:
القدس