تعد مجزرة صلحا التي وقعت في خريف عام 1948 واحدة من أبشع المحطات الدموية في سجل الاحتلال الإسرائيلي المبكر، حيث تقع هذه القرية عند تقاطع جغرافي وتاريخي حساس بين لبنان وفلسطين. فبينما تصنفها مصادر فلسطينية ضمن قضاء صفد، تؤكد الوثائق اللبنانية أنها إحدى القرى السبع التي اقتطعت من الأراضي اللبنانية وأُلحقت إدارياً بفلسطين خلال فترة الانتداب البريطاني والفرنسي.
في الثلاثين من أكتوبر عام 1948، اقتحمت قوات اللواء السابع التابع لعصابات الهاغاناه، والمعروف باسم 'شيفع'، القرية في إطار ما سمي بعملية 'حيرام'. كانت هذه العملية تهدف إلى إطباق السيطرة على منطقة الجليل الأعلى وتأمين الحدود الشمالية عبر ممارسة سياسة الأرض المحروقة والتهجير القسري للسكان الأصليين.
تشير التقديرات التاريخية إلى أن عدد ضحايا المجزرة تراوح بين 94 و105 شهداء، سقط معظمهم في عمليات إعدام ميدانية جماعية. وقد بدأت المأساة حين أمرت القوات المهاجمة أهالي القرية بالتجمع في ساحة المسجد بذريعة تسليم السلاح، لتبدأ بعدها عملية إطلاق نار عشوائية استهدفت المدنيين العزل دون تمييز.
تروي شهادات الناجين أن جيش الإنقاذ العربي، الذي تشكل لمساندة الفلسطينيين، كان قد انسحب من المنطقة قبل وصول القوات الإسرائيلية، مما ترك الأهالي في مواجهة مباشرة مع آلة القتل. ولم يكتفِ المهاجمون بإطلاق النار، بل عمدوا لاحقاً إلى تفجير المسجد فوق جثث الشهداء وهدم المنازل على رؤوس من تبقى من السكان.
تاريخياً، كان سكان صلحا مرتبطين إدارياً واجتماعياً بمدينة صور اللبنانية، حيث سُجلوا في إحصاء عام 1921 ضمن سجلات النفوس القديمة. هذا الارتباط جعل من مأساتهم جرحاً لبنانياً غائراً، إذ استعاد بعضهم الجنسية اللبنانية في الستينيات، بينما ظل آخرون يعاملون كلاجئين في وطنهم الأم.
بعد إفراغ القرية من سكانها وتحويلها إلى ركام، سارع الاحتلال إلى محو معالمها الجغرافية عبر إقامة مستوطنات زراعية وعسكرية على أنقاضها. ففي عام 1949 أُسست مستوطنة 'يرؤون'، وتبعتها مستوطنة 'أفيفيم' في أواخر الخمسينيات، لتكريس واقع استيطاني جديد يطمس هوية المكان العربية.
لم تكن مجزرة صلحا واقعة معزولة، بل جاءت ضمن سلسلة من المجازر التي استهدفت قرى الجليل والجنوب اللبناني خلال تلك الحقبة. وقد وثقت مصادر عسكرية لبنانية أن القرى السبع، ومن بينها صلحا والمالكية وهونين، كانت ضحية لاتفاقات دولية رسمت الحدود بالدم والتهجير القسري.
الناجون من المجزرة حملوا معهم ذاكرة القتل إلى مخيمات اللجوء ومناطق النزوح في جنوب لبنان، حيث أطلقوا اسم قريتهم على أحياء في صور والبرج الشمالي. هذه التجمعات السكنية الجديدة باتت خزاناً للذاكرة الجماعية التي تنتقل من جيل إلى جيل، مؤكدة على حق العودة الذي لا يسقط بالتقادم.
تؤكد موسوعة القرى الفلسطينية أن صلحا كانت تضم نحو 1300 نسمة قبيل النكبة، وكانوا يعتمدون بشكل أساسي على الزراعة وتربية المواشي. ومع وقوع المجزرة، تحولت هذه الحياة المستقرة إلى رحلة شتات طويلة بدأت تحت أزيز الرصاص وقذائف الهاون التي استهدفت البيوت الآمنة.
خلال عملية 'حيرام'، لم يستثنِ العنف الإسرائيلي النساء والأطفال والشيوخ، حيث ترافقت عمليات القتل مع نهب واسع للممتلكات والمواشي. كانت السياسة المتبعة تهدف إلى إرهاب القرى المجاورة ودفع سكانها للفرار الجماعي، وهو ما تحقق جزئياً عبر هذه المجازر المروعة التي بقيت بلا محاسبة دولية.
في الذاكرة اللبنانية، تظل صلحا رمزاً للقرى 'المسلوخة' التي دفع أهلها ثمن التجاذبات الاستعمارية بين بريطانيا وفرنسا. ورغم صدور مراسيم تجنيس لاحقة في لبنان، إلا أن الكثير من أبناء هذه القرى لا يزالون يطالبون باعتراف كامل بحقوقهم التاريخية والقانونية كأصحاب أرض أصليين.
المشهد الحالي في موقع القرية يظهر تبايناً حاداً بين أنقاض المنازل القديمة والمباني الاستيطانية الحديثة التي شيدت فوقها. ورغم محاولات تغيير الأسماء والمعالم، إلا أن أشجار الزيتون والصبار التي لا تزال قائمة تشهد على هوية الأرض التي رويت بدماء أكثر من مئة شهيد في ليلة واحدة.
تعتبر هذه التقارير التوثيقية ضرورة ملحة لاستعادة الرواية التاريخية من محاولات الطمس والتحريف التي يمارسها الاحتلال. فمجزرة صلحا ليست مجرد رقم في سجل الضحايا، بل هي قصة صمود وذاكرة تقاوم المحو، وتربط بين نكبة فلسطين ومعاناة القرى الحدودية اللبنانية.
ختاماً، تبقى صلحا شاهداً حياً على سياسة الإحلال التي انتهجتها العصابات الصهيونية منذ عام 1948، وهي سياسة استهدفت الأرض والإنسان معاً. إن استعادة هذه المحطات الدموية تهدف إلى التأكيد على أن الجرائم ضد الإنسانية لا تسقط بمرور الزمن، وأن الذاكرة هي خط الدفاع الأول عن الحقوق السليبة.
المصدر:
القدس