آخر الأخبار

اغتيالات عدن: قراءة في الأبعاد السياسية والأمنية وتأثيرها عل

شارك

عادت موجة الاغتيالات السياسية لتضرب مدينة عدن من جديد، مستهدفة شخصيات نوعية لها ثقلها الأكاديمي والتنموي في المجتمع اليمني. ففي غضون أيام قليلة، فُجعت المدينة برحيل الدكتور عبد الرحمن، الأكاديمي والشاعر البارز، والمهندس سامي قايد، المدير التنفيذي للصندوق الاجتماعي للتنمية، في عمليات تعكس تدهوراً أمنياً خطيراً.

تأتي هذه الجرائم في توقيت حساس يشير إلى إعادة تموضع القوى الإقليمية عبر أدوات محلية متعددة، تهدف إلى عرقلة أي تحول إيجابي في الساحة اليمنية. ويرى مراقبون أن استمرار تدفق التمويلات والدعم اللوجستي لهذه العمليات يخدم أجندات تسعى لإحداث أكبر قدر من الضرر بالاستقرار الذي تحاول الرياض ترسيخه في الجنوب.

يمكن إرجاع هذا التدهور إلى البيئة الأمنية الموتورة التي تسود العاصمة المؤقتة عدن منذ سنوات، حيث تشكلت الأجهزة الأمنية والتشكيلات المسلحة بعقيدة تتسم بالثأرية. هذه التشكيلات نفذت مهام تصفية إرث الدولة بحماس، مما حول المدينة إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات السياسية بعيداً عن سلطة القانون.

إن التحريض المستمر ضد رموز الدولة اليمنية وحواملها السياسية خلق مناخاً من انعدام الأمن واليقين، وجعل من عدن بيئة طاردة للكفاءات الوطنية. هذا المنحى الثأري يتفاقم مع الانهيار المتواصل لمؤسسات المشروع الانفصالي، التي تحولت أجهزتها الأمنية إلى عامل حاسم في تصعيد أعمال العنف.

هناك مخاوف جدية من أن تؤدي هذه الفوضى إلى تجديد التحالفات بين المشروعين الإمامي في الشمال والانفصالي في الجنوب، وهي تحالفات تجد جذورها في الضاحية الجنوبية لبيروت. هذا التقارب يهدف إلى إعادة إحياء الأجندات التأسيسية التي يشرف عليها الحرس الثوري الإيراني لزعزعة استقرار المنطقة بالكامل.

لا تقتصر مخاطر التدهور الأمني في عدن على فشل السلطة الشرعية في إدارة المناطق المحررة فحسب، بل تمتد لتؤثر على معركة الحسم السياسي والعسكري ضد الانقلاب الحوثي. إن إضعاف المكانة السيادية للشرعية يمهد الطريق لإنضاج تسويات مشبوهة مع القوى المسيطرة على الأرض في صنعاء.

في سياق متصل، تبرز احتمالات قاتمة ناتجة عن التجاذبات الدولية، خاصة فيما يتعلق بالاتفاقات المحتملة مع إيران التي قد تمنحها مناعة جيوسياسية في مضيق هرمز. هذا النفوذ الإيراني المتنامي سيشكل ورقة ضغط لضمان استدامة نفوذ أذرعها التخريبية في اليمن والمنطقة العربية بشكل عام.

تحولت مدينة عدن إلى مسرح مفتوح للاغتيالات، مما أنتج وضعاً مأساوياً قاتماً ومناخاً من انعدام الثقة وبيئة طاردة بامتياز.

من جانب آخر، يبرز التوظيف الإسرائيلي للسياسات الأمريكية كعامل لتقييد التيارات السياسية العربية العريضة عبر سلاح العقوبات والتصنيفات الإرهابية. هذه السياسة تمنح الأنظمة الشمولية فرصة للتحكم بالشعوب وابتزازها، رغم أن هذه العقوبات لن تنجح في تحويل المكونات الحيوية للأمة إلى مجرد أدوات جامدة.

إن الانهيار المؤلم لنموذج الانتقال السلمي في اليمن هو نتيجة لتحالف واسع يرفض الديمقراطية والتعددية السياسية التي أفرزت مشاركة شعبية واسعة. هذا الرفض أدى إلى استباحة السلم الاجتماعي وفرض بدائل ميليشياوية ومشاريع تفكيكية تمزق النسيج الوطني اليمني.

بينما تشهد عدن جرائم قتل منظم تضرب السكينة العامة، يمارس الحوثيون في الشمال احتكاراً كاملاً للعنف والقمع والتنكيل بحق المعارضين. هذا التزامن بين الفوضى في الجنوب والقمع في الشمال يعكس تنسيقاً غير مباشر يهدف إلى إنهاء التنوع السياسي وتجريف العمل الحزبي.

يدخل التصنيف الأمريكي الأخير على خط الأزمة ليزيد من تعقيد المشهد، حيث يُنظر إليه كأداة لاستهداف التنوع السياسي بدلاً من كونه وسيلة لتحقيق العدالة. إن استهداف القوى السياسية الحية يخدم في نهاية المطاف المشاريع الطائفية والانفصالية التي تتغذى على غياب الدولة المركزية القوية.

إن ما يحدث اليوم في عدن ليس مجرد حوادث جنائية عابرة، بل هو استهداف ممنهج لركائز الدولة اليمنية الحديثة ورجالاتها المخلصين. إن غياب المحاسبة والإفلات من العقاب شجع القتلة على الاستمرار في نهجهم التدميري الذي يطال كل من يحمل مشروعاً وطنياً جامعاً.

يتطلب الوضع الراهن وقفة جادة من كافة القوى الوطنية اليمنية لاستعادة زمام المبادرة وحماية ما تبقى من مؤسسات الدولة. إن الصمت على تصفية الكوادر الأكاديمية والتنموية يعني القبول بمستقبل مظلم تحكمه الميليشيات وتديره القوى الخارجية بعيداً عن تطلعات الشعب اليمني.

في الختام، يبقى الرهان على وعي المجتمع اليمني وقدرته على تجاوز هذه المحن، رغم كل محاولات التدجين والترهيب التي تمارسها أطراف الصراع. إن اليمن، بتنوعه السياسي وحيويته، قادر على إنتاج بدائل وطنية تتجاوز المشاريع الضيقة وتستعيد مكانة الدولة وسيادتها المسلوبة.

القدس المصدر: القدس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا