لم تكن التغطية الإعلامية خلال الحرب التي شهدها لبنان عام 2026 مجرد نقل للأحداث، بل تحولت إلى معركة بقاء للصحافيين الذين واجهوا استهدافاً مباشراً من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي. وقد تجسد هذا الخطر في مقتل الصحافية آمال خليل في بلدة الطيري، لتنضم إلى قائمة طويلة من الشهداء الذين دفعوا حياتهم ثمناً لنقل الحقيقة من الميدان المشتعل.
تستعيد ذاكرة الصحافة اللبنانية اليوم تفاصيل الحروب السابقة، حيث يروي جيل الرواد كيف كانت التغطية تتم بأدوات بدائية مقارنة باليوم. ورغم تطور التكنولوجيا، إلا أن السؤال الجوهري يبقى ثابتاً حول كيفية الحفاظ على التوازن بين نقل الخبر وضمان السلامة الشخصية في ظل سياسة ممنهجة تستهدف الشاهد والشهادة.
المصور جمال السعيدي، الذي عاصر اجتياح عام 1978 و1982، يروي كيف كان المصورون يتحركون في مجموعات دون خرائط أو هواتف ذكية. ويستذكر السعيدي لحظات توثيقه لمجزرة صبرا وشاتيلا، مؤكداً أن العمل الميداني آنذاك كان يعتمد على الحدس والإرشادات التي يقدمها المقاتلون في النقاط الساخنة لتجنب الوقوع في الحصار.
في تلك الحقبة، كانت عملية إرسال صورة واحدة بالأبيض والأسود تستغرق ساعة كاملة عبر أجهزة إرسال مرتبطة بخطوط هاتفية أرضية. ويقارن السعيدي بين ذلك الماضي وبين الحاضر الذي بات فيه المواطن مراسلاً يسبق الصحافي المحترف في نقل الصورة عبر هاتفه المحمول، مما يفرض تحديات جديدة تتعلق بالتدقيق والاحترافية.
من جانبه، يستذكر الصحافي سمير منصور لحظة وقوفه على جسر الأولي عام 1985 لتوثيق انسحاب جيش الاحتلال من مدينة صيدا. كانت تلك اللحظة تاريخية بالنسبة لـ 'تلفزيون لبنان' الذي كان الشاشة الوحيدة في البلاد، حيث نقل منصور مشاعر النصر والمعاناة التي عاشها أبناء الجنوب تحت وطأة الاحتلال الطويل.
المفارقة المؤلمة تكمن في تكرار المشاهد، حيث قصفت إسرائيل جسر القاسمية في حرب 2026 لقطع أوصال الجنوب، وهو ذات المشهد الذي عاينه منصور قبل أربعة عقود. هذا التكرار التاريخي يثبت أن الأهداف العسكرية للاحتلال لم تتغير، رغم تبدل السنوات وتطور الوسائل الدفاعية والهجومية على حد سواء.
أما الدكتور راغب جابر، فيسلط الضوء على غياب الحماية المهنية في الثمانينيات، حيث كان الصحافيون يخرجون للميدان دون دروع واقية أو تأمين صحي. ويروي جابر كيف كان يواكب نشاطات الثورة الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات، وكيف نجا من الموت بأعجوبة خلال تغطيته للاجتياح الإسرائيلي للعاصمة بيروت عام 1982.
يؤكد جابر أن الصحافي الحقيقي هو من ينقل المشهد بأمانة كما يراه، مستشهداً بتوثيقه لعملية استهداف دبابة إسرائيلية في منطقة البطركية ببيروت. ويرى أن جوهر العمل لم يتغير، فالمخاطر التي واجهها جيله بسبب الحواجز المسلحة تشبه إلى حد كبير المخاطر التي يواجهها صحافيو اليوم بسبب القصف الجوي والمسيرات.
بعيداً عن خطوط النار، تتحول غرف الأخبار إلى خلايا طوارئ لا تهدأ، حيث تروي الإعلامية نوال الأشقر تجربتها في إدارة النشرات الحربية. وتوضح الأشقر أن ترتيب النشرة قد يتغير عدة مرات خلال البث المباشر تبعاً للتطورات الميدانية المتسارعة، مما يتطلب استنفاراً دائماً من الفريق التقني والتحريري.
وتشير ريمان ضو، الإعلامية في قناة 'الجديد'، إلى أن حرب عام 2026 فرضت بروتوكولات صارمة لحماية المراسلين، منها منع التحرك الفردي والتنسيق الدائم مع غرفة التحرير. وتؤكد أن سلامة الزملاء تأتي دائماً قبل السبق الصحافي، خاصة في ظل حرب معقدة تداخلت فيها الجبهات الإقليمية والدولية بشكل غير مسبوق.
الضغط النفسي داخل الاستديوهات لا يقل قسوة عن ضغط الميدان، حيث تصف الأشقر لحظة استهداف مبنى مجاور للتلفزيون أثناء وجودها على الهواء. في تلك اللحظات، يمتزج الخوف الشخصي بالالتزام المهني، ويصبح التحدي الأكبر هو الحفاظ على الهدوء لنقل الخبر بدقة للجمهور الذي ينتظر المعلومة اليقينة.
تتفق الشهادات على أن المصداقية والموضوعية هما الركيزتان الأساسيتان للعمل الصحافي في زمن الحروب. ويشدد منصور على ضرورة التزام الصحافي بأخلاقيات المهنة وعدم الاندفاع نحو المناطق الخطرة دون حكمة، لأن الرسالة الإعلامية تفقد قيمتها إذا فقدت الشاهد الذي ينقلها للعالم بمسؤولية.
إن استعادة أسرار التغطيات القديمة تقدم مادة غنية للأجيال الجديدة من الإعلاميين لفهم تطور المهنة واستخلاص العبر. فالحرب التي اندلعت في فبراير 2026 أثبتت أن الأدوات قد تتبدل من الكاميرا السينمائية إلى البث الرقمي، لكن جوهر الاختبار يبقى واحداً: كيف تنقل الحقيقة وتنجو من آلة القتل؟
في الختام، تبقى تجارب السعيدي ومنصور وجابر والأشقر وضو دروساً حية في الشجاعة والمهنية، تؤكد أن الصحافة اللبنانية كانت ولا تزال خط الدفاع الأول عن الرواية الوطنية. ومع استمرار المواجهة، تظل ذاكرة الحروب هي البوصلة التي توجه إعلاميي اليوم في مسيرتهم نحو توثيق التاريخ ومنع تزييف الحقائق.
المصدر:
القدس