آخر الأخبار

معاناة سكان غزة مع أزمة السيولة والعملات التالفة والدفع الإل

شارك

لم يعد امتلاك المال في قطاع غزة ضماناً كافياً للحصول على مقومات الحياة الأساسية، حيث يجد الغزيون أنفسهم محاصرين بين خيارات مالية أحلاها مر. فبين أرصدة بنكية رقمية تتطلب اتصالاً مستقراً بالإنترنت وتطبيقات تعمل ببطء، وبين أوراق نقدية مهترئة يرفضها الباعة، تتآكل القدرة الشرائية للمواطنين قبل أن تصل المساعدات إلى موائد عائلاتهم.

الحاج حسن حجي، أحد النازحين الذين توقفوا عن العمل منذ بدء العدوان، يمثل نموذجاً لهذه المعاناة اليومية؛ إذ يقضي وقتاً طويلاً أمام بسطات البيع محاولاً إتمام عملية تحويل إلكتروني بسيطة. يصف حسن الأمر بـ 'المهمة المرهقة'، حيث يضطر للانتظار طويلاً حتى تستجيب الشبكة، معتبراً أن التحويل البنكي بات وسيلة مفروضة قسراً نتيجة غياب السيولة النقدية الصالحة للتداول.

في المقابل، يبرز النقد الورقي كأزمة موازية، فالأوراق المتداولة في الأسواق حالياً تعاني من تلف شديد واهتراء يجعل التجار يرفضون استلامها. هذا الواقع يدفع الكثير من المواطنين لإعادة مشترياتهم من الخضروات والمعلبات بعد رحلة بحث شاقة، لمجرد أن العملة التي يحملونها لم تعد مقبولة في نظر البائعين الذين يخشون بدورهم من تكبد خسائر مالية.

رنا نافذ، سيدة غزية أخرى، تضطر لقطع مسافات تصل إلى 6 كيلومترات سيراً على الأقدام لتأمين احتياجات منزلها، هرباً من أزمة 'الفكة' التي تعصف بقطاع المواصلات. تروي رنا كيف أن السائقين يرفضون العملات التالفة، مما يحول التنقل البسيط إلى حسابات مالية معقدة تزيد من أعباء النزوح والحرب المستمرة.

وتضيف رنا أن الدفع الإلكتروني، رغم كونه بديلاً، يضعها في حالة قلق دائم، حيث تضطر أحياناً لإرسال هاتفها المحمول مع أطفالها لإتمام عمليات الشراء. هذا الاضطرار يجعل الهاتف أداة شراء ومصدر خوف في آن واحد، في ظل غياب الأمان وصعوبة تعويض الأجهزة الإلكترونية في حال فقدانها أو تضررها.

كمال خروات، أب لعدة أطفال، يجسد مأساة العجز عن توفير وجبة الغداء رغم امتلاكه للمال، حيث رفض ثلاثة باعة متتاليين استلام أوراقه النقدية بسبب قدمها. يقول كمال بحسرة إن عائلته ستضطر لتناول المعلبات مجدداً لأن ماله 'المعطل' لم يشفع له بشراء بعض الخضروات الأساسية مثل البطاطس والليمون.

على الجانب الآخر من المعادلة، يوضح الباعة أن رفضهم للعملات المهترئة ليس تعنتاً، بل هو إجراء وقائي لحماية تجارتهم المهددة أصلاً. رامي أبو ركبة، صاحب بسطة شاب، يشير إلى أن الورقة النقدية التالفة تصبح عبئاً معلقاً في جيبه، حيث يرفض الموردون قبولها منه، مما يعني خسارة مباشرة من رأس ماله المحدود.

لو كانوا يتعاملون بالنقد الصالح ما كنت لأضيع وقتاً طويلاً وأنا أحاول الاتصال بالإنترنت وتشغيل تطبيق الدفع لإطعام أحفادي.

إبراهيم الكفارنة، الذي نزح من بيت حانون بعد تدمير منزله ومشروعه، يحاول اليوم البدء من الصفر في سوق مرتبك تحكمه السيولة النادرة. يؤكد إبراهيم أن البيع والشراء فقدا بساطتهما المعهودة، وأصبح التاجر يبحث عن 'النقد النظيف' ليتمكن من دفع أجور النقل وتأمين بضاعة جديدة من الموردين الذين لا يقبلون سوى العملات الجيدة.

وعلى صعيد العمل المؤسسي والإغاثي، اضطررت الجمعيات الخيرية لاعتماد التحويلات البنكية كحل بديل لتوزيع الكفالات والمساعدات المالية. محمد العطار، مدير مؤسسة بختوري، يوضح أن أزمة السيولة الحادة وارتفاع تكلفة الحصول على النقد في السوق السوداء دفعا المؤسسة لهذا الخيار لضمان وصول الدعم لمستحقيه.

ويشير العطار إلى أن تسليم الكفالات نقداً كان يعرض المستفيدين لاقتطاعات وعمولات سحب باهظة تصل أحياناً إلى 19%، بينما خفض التحويل الإلكتروني هذه النسبة إلى نحو 2%. ومع ذلك، يواجه هذا النظام قيوداً تقنية وإجرائية تفرضها سلطة النقد، بالإضافة إلى تعقيدات تتعلق بسقوف التحويلات المالية اليومية.

المؤسسات الإغاثية تضطر أحياناً لاستخدام حسابات وسطاء موثوقين لتوصيل الأموال لمن لا يملكون هواتف ذكية أو حسابات بنكية مفعلة. هذا الإجراء، رغم تعقيده القانوني، يظل السبيل الوحيد لضمان عدم حرمان آلاف الأسر، ومن بينهم أرامل الشهداء، من المساعدات التي تمثل شريان الحياة الوحيد لهم في ظل انعدام الدخل.

وتشير التقديرات الميدانية إلى وجود فجوة هائلة بين حجم الاحتياج والقدرة على التغطية، حيث يوجد في قطاع غزة ما يقارب 40 ألف أرملة بحاجة لدعم عاجل. هذه الأرقام تعكس حجم الضغط على المؤسسات المالية والخيرية التي تحاول ابتكار حلول تقنية لتجاوز عقبات الحصار المالي المفروض بالتوازي مع العمليات العسكرية.

إن التحول القسري نحو 'الاقتصاد الرقمي' في بيئة تفتقر لأدنى مقومات البنية التحتية للاتصالات يفاقم من معاناة الفئات الأكثر هشاشة. فالمساعدة التي تظهر كرقم على شاشة الهاتف قد تستغرق أياماً من المحاولات والمساومات والعمولات قبل أن تتحول إلى رغيف خبز أو دواء ضروري لمريض.

في نهاية المطاف، يخوض الغزيون حرباً صامتة في أزقة الأسواق، حيث لا تقتصر المعركة على توفير المال، بل تمتد لتشمل كيفية صرفه. هي تفاصيل يومية قد تبدو صغيرة، لكنها تختصر جوهر المعاناة الإنسانية في قطاع غزة، حيث يصبح حتى 'المال' عبئاً إضافياً يتطلب جهداً مضاعفاً لاستخدامه في البقاء على قيد الحياة.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا